جفرا نيوز -
بـقـلـم : الـمـحـامـي مـحـمـد يـاسـر الـعـطـار ،،،
في فقه الأحوال الشخصية الممتد عبر القرون ، استقر مفهوم ( التركة ) في وعي الشارع الأردني على أنه كل ما يتركه المتوفى من أموال مادية ملموسة ، كعقارات ، وأراضٍ ، وأرصدة بنكية ، ومركبات ، يجري حصرها وتوزيعها على الورثة الشرعيين بموجب حجة إرث شرعية .
غير أن العصر الرقمي الحديث فرض واقعاً استثنائياً غاب عن بال الكثيرين ، فالإنسان المعاصر يغادر هذه الحياة تاركاً وراءه ( ذاتاً افتراضية ضخمة ) تشمل حسابات بنكية رقمية ، ومحافظ إلكترونية ، وقنوات استثمارية ، وحسابات تواصل اجتماعي تدر دخلاً ، وصولاً إلى أرشيف هائل من البيانات والصور والمراسلات المشفرة في السحابة التكنولوجية .
وهنا تبرز معضلة قانونية وفلسفية نادرة لم يُفكر فيها الشارع : وهي في حال الوفاة ، من يملك قانوناً حق الولاية والولوج إلى هذه ( التركة الرقمية ) وهل تخضع البيانات المشفرة لأحكام الإرث الشرعي أم تصطدم بجدار ( خصوصية المتوفى وأسراره المحمية ) .
أولاً: النزاع الفقهي بين ( الخصوصية المطلقة ) وحقوق الورثة الشرعيين .
في المنظومة التشريعية الأردنية ، يحمي القانون حرمة الحياة الخاصة وسرية المراسلات كحقوق لصيقة بالشخصية لا تزول بالوفاة .
وتواجه العائلات الأردنية اليوم صدمة حقيقية عندما يرفض ملقنو الخدمة العالميون مثل :
( جوجل، آبل، وفيسبوك ) منح الورثة كلمات المرور أو حق الدخول إلى هاتف المتوفى أو حساباته ، بذريعة حماية خصوصية العميل الراحل وشروط الاستخدام الإلكترونية التي تنتهي بوفاة المستخدم .
من المنظور القانوني الصرف ، نجد أنفسنا أمام اشتباك حاد : كيف يمكن التوفيق بين قانون الأحوال الشخصية الأردني الذي ينقل كافة الحقوق المالية إلى الورثة وبين القوانين الرقمية الحديثة وقانون الجرائم الإلكترونية الذي يجرّم الدخول غير المصرح به إلى البيانات ، إن غياب إطار تشريعي ينظم ( الإرث الرقمي ) في الأردن يترك مصير ممتلكات رقمية ثمينة ( كالمحافظ الإلكترونية ، وقنوات اليوتيوب التجارية ،
والملكية الفكرية الرقمية ) معلقة في الفضاء الافتراضي دون سند حصر إرث واضح .
ثانياً: صدمة الفراغ التشريعي وجذور الأزمة القضائية .
عندما نقف أمام طاولة التشريع الوطني ، نجد أن القانون المدني الأردني وقانون الأحوال الشخصية الحالي يقفان صامتين تماماً أمام معضلة التركات الرقمية ، حيث انه لا يوجد نص قانوني واحد ينظم آلية انتقال الملكية الافتراضية للورثة ، والأكثر خطورة ، هو ان الارشيف القضائي الاردني يخلوا من ذلك ، بما فيها قرارات محكمة التمييز الموقره من اي سوابق قضائيه تفصل النزاع ، موضوع المقال .
وهنا يكمن اساس المقال والبحث والتفكيرالمعمق ، وهو الى اين تعود جذور هذا الفراغ الصادم ومن وجهة نظري الخاصه كمحامي ارى ان هناك ثلاثة اسباب تعود لما تم ذكره اعلاه :
: 1 - الطبيعة التعاقدية العابرة للحدود ( سلطة السيرفر) إن المستخدم يوافق بـ
(نقرة زر) على شروط استخدام خاضعة لقوانين دولية تدرج تحت بنداً صارماً يُدعى عدم الحق في البقاء ما يعني أن الحساب ينتهي بوفاة صاحبه ، فتعجز حجج الإرث المحلية عن فرض سلطتها على سيرفرات خارج الحدود الإقليمية للمملكة .
2 - غياب الدعاوى القضائية المتخصصة ،
لم تشهد المحاكم الأردنية حتى الآن اي دعوى بخصومة حقيقية تُطالب فيها عائلة المتوفى بتمكينها من الدخول لحساباته الافتراضية لتصل القضية إلى التمييز وتسطير مبدأ حقوقي ،
إذ تقتصر النزاعات الحالية على تسييل الرصيد المالي الملموس للمحافظ الإلكترونية كمال دون التطرق لأرشيف البيانات والحسابات ،
: 3 - جمود مفهوم ( المال ) في القوانين التقليدية ، صِيغت القوانين في بيئة كان المال فيها ينقسم إلى عقارات ومنقولات مادية ، ولم يتوقع المشرّع زمناً تصبح فيه
( الأصول الرقمية غير الملموسة ) (كقنوات البث والشيفرات البرمجية )
ثروات حقيقية تتجاوز قيمتها أحياناً الأصول المادية ،
إن هذا الفراغ لا يهدد ضياع الحقوق المالية للأرامل والأيتام فحسب ، بل يفتح الباب لقرصنة حسابات الموتى وابتزاز عائلاتهم ، مما يجعل التدخل التشريعي لسد هذه الثغرة أمراً ملحاً لحماية الأمن الاجتماعي والاقتصادي للمملكة .
ثالثاً : المبادئ التوجيهية نحو ( قانون الوصية الرقمية ) الأردني .
إن الحسم الاستباقي لهذه الفوضى المستقبلية يتطلب من المشرّع والشارع الأردني
الانتقال نحو عقلية قانونية جديدة ، تتلخص في المحاور التالية :
تأصيل الوصية الرقمية كعُرف قانوني : بات من الضروري توعية المواطنين بإدراج ( الملحقات الرقمية ) في وصاياهم أو توثيقها لدى الكاتب العدل ، وتحديد الأشخاص المخولين بإدارة هوياتهم الرقمية ومحافظهم المالية بعد الوفاة ،
إلزام شركات التكنولوجيا بالقوانين الوطنية : يتوجب صياغة ملحق تشريعي في القوانين الأردنية المعنية يعطي حجج الإرث الصادرة عن المحاكم الشرعية والنظامية الأردنية القوة القانونية المطلقة لإلزام شركات الاتصالات والتطبيقات بفتح الحسابات المالية والمهنية للمتوفى لصالح ورثته .
أمان البيانات كجزء من السلم الأهلي : إن تنظيم إرث البيانات يحمي العائلات من تعرض حسابات أبنائهم الراحلين للاختراق ، أو الابتزاز، أو التشويه الرقمي بعد الوفاة مما يجعله ملفاً مرتبطاً مباشرة بالأمن الاجتماعي للمملكة .
نداء إلى سدنة التشريع وصنّاع القرار .
إن وقوف المنظومة القانونية والقضائية الأردنية مكتوفة الأيدي أمام طوفان السيولة الرقمية لم يعد خياراً مقبولاً ، ولا يمكن الركون إلى جمود النصوص التقليدية التي تجاوزها الزمن الافتراضي بمسافات ضوئية .
إننا أمام ( قصور تشريعي صارخ وفراغ قضائي ) يهدد استقرار الحقوق المالية
والكرامة المعنوية لأبناء هذا الوطن بعد رحيلهم ، ويترك العائلات رهينة لتعنت الخوارزميات وقوانين الشركات العابرة للقارات ،
ومن هنا، ومن خلال هذا المنبر التوعوي ، وبصفتي محاميا اوجه ،،
نداءً قانونياً عاجلاً ومباشراً إلى :
وزارة العدل ، والمجلس القضائي الموقر ، ومجلس النواب الأردني ،
لتبني خطة طوارئ تشريعية تتضمن : تحديث قانون الأحوال الشخصية والقانون المدني
ختاما : إن الموت في العصر الرقمي لم يعد مجرد غياب للجسد ، بل هو بقاء لهوية افتراضية قد تعيش أطول من عمر صاحبها .
إن مواجهة هذا الفراغ التشريعي النادر وحماية ( التركات الرقمية ) هو الاختبار الحقيقي لقدرة قوانيننا الأردنية على مواكبة المستقبل بروح الشريعة وحداثة العصر الرقمي ،
ليبقى الأردن دائماً سبّاقاً في صون الحقوق والكرامة الإنسانية حياً وميتا تحت ظل الرايه الهاشميه الحكيمه .