اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

نافع يكتب : العدالة البيئية

Friday-2026-06-05 03:28 pm
جفرا نيوز -

مهنا نافع


ندرك التفاوت بأسعار المنازل، فالأماكن تتباين بتضاريسها، وبعد موقعها عن وسط المدينة، والأهم من كل ذلك ما أُنجز من خدمات حولها، وللناس رغبات ومآرب متشابهة باختيار الأفضل مما يناسبهم من موقع وسعر ومساحة، لذلك كانت قاعدة العرض والطلب هي من تحدد رقم ذلك السعر سواء كان بغرض الشراء أو الاستئجار، ولكن ما لا ندركه، ولا نقبله عدم السعي لتطبيق العدالة البيئية لجميع سكان المنازل بكل الأماكن بعيدا عن أسعارها، وكل من تصنيفاتها، فالهدف الأول والأهم للعدالة البيئية هو تحقيق مبدأ السلامة الصحية للجميع.

إن أسهل مدخلا لفهم العدالة البيئية أجده بفهم أحد الأمثلة لنقيضها الظلم البيئي، والذي قد نراه ببعض الأماكن ذات الكثافة بالمنشآت الصناعية أو الحرفية المجاورة للأماكن السكنية، فهذه المنشآت، وإن قدمت مكاسب اقتصادية لبلدياتها، وبالتالي لقاطنيها من فرص عمل وإنجازات خدماتية إلا أن الثمن الذي سيُدفع مستقبلا بسبب مخاطر التلوث البيئي سيتجاوز كل تلك الفوائد، وهذا بالطبع إن لم تضبط تلك المنشآت ضمن معايير السلامة البيئية الدولية التي يعرفها تماما أصحاب العلاقة والاختصاص، وبالإضافة لذلك، فإن تشجيع الزيادة المرتفعة لكثافة هذه المنشآت بمكان واحد لتصبح بمستوى المدن الصناعية الكبرى حسب نظريات المدارس القديمة سيزيد من أعباء السيطرة عليها، والحد من الضرر الناتج عنها، لذلك كان تنوع أماكن تواجدها ضمن عدة مناطق صناعية وحرفية أحد العوامل لنجاح ضبطها وأمنها وخاصة إن ابتعدت تماما عن الأماكن السكنية أولا، وأماكن الإنتاج الزراعي ثانيا، وأماكن مخزون المياه الجوفية والينابيع والسدود ثالثا.

العديد من الدول الأوروبية أوقفت مجموعة من الصناعات التي ثبتت تبعاتها السيئة على البيئة، والتي لا يمكن تجنبها إلا بإجراءات مكلفة ومعقدة، فوجدت هذه الدول أن ما ستنفقه من تكاليف إضافية على استيراد المنتج منها مهما ارتفعت ستبقى أقل مما ستنفقه على الرعاية الصحية لمواطنيها، وللأسف كانت، وما تزال الدول النامية تستقبل هجرة تلك الصناعات دون أي مساعدة مجدية من الدول الأوروبية لضبط ما ينتج من مضارها، ولو حتى بالحد الأدنى من المعايير الدولية التي تحافظ على البيئة، ولولا الضغوطات المستمرة من منظمات المجتمع المدني الكبرى لكان الأمر أكثر سوءا على سلامة سكان تلك البلدان بشكل خاص، وكذلك على الكرة الأرضية بشكل عام بما يتعلق بالانبعاثات التي ترفع من ظاهرة الدفيئة وتأثير ذلك على التغيرات المناخية، ومن هنا نجد أن الظلم البيئي قد يقع على جميع الأصعدة سواء كانت محلية أو دولية.

وبعيدا عن الصناعات والحرف وكل الحديث المنمق عن المسؤولية المجتمعية، فمن البداية لا بد من إنشاء تلك الأماكن بعيدا عن التجمعات السكنية، أما ما يُجَدُّ ببعض الأماكن من اكتشافات حديثة لأي من الثروات المعدنية والنفط والغاز، فلا بد أن ثبت جدوى استثماره إيقاف منح التراخيص السكنية لمن حوله، ودفع التعويضات المالية المجزية للسكان الحاليين، ويمكن أن يُطبق ذلك بالأماكن التي أصبح واقع الحال بها نتيجة أخطاء أو تجاوزات تنظيمية سابقة.

وكما أن اختيار أماكن مكبات النفايات ومحطات التنقية لا بد من أن لا يتم إلا بعد الدراسات المستفيضة التي تأخذ بالحسبان كل ما سبق ذكره من توصيات لاختيار الأماكن الصناعية والحرفية من بعد عن الاماكن السكنية والمياه الجوفية وغير ذلك، فلا ضير من إعادة الدراسة لتغيير مواقعها لما تقتضيه ظروف الزيادة السكانية ومقتضيات التنمية المستدامة بشكل عام، وبالمقابل لا بد من العدالة لاختيار أماكن إنشاء الحدائق والمساحات الخضراء بالقرب من التجمعات السكنية، وعدم تركيزها بأماكن معينة وحرمان أماكن أخرى منها، (فالعدالة التوزيعية) لكسب الفوائد وتحمل الجميع إجراءات البعد عن أي من المخاطر هي من تضمن تطبيق كل ذلك.

ومن هنا نأتي للمحصلة الشاملة لكل من الدور الرقابي للنائب المتابع للأوضاع بمنطقته، وكذلك البلديات ومجالس المحافظات التي نترقب إعادة تفعيلها بعد إقرار مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد، والإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، لتطبيق (العدالة الإجرائية) والتي تتمثل بالمشاركة الفاعلة لإيصال صوت المواطن واتاحة جميع القنوات له للمشاركة بصنع القرار الذي يتعلق بمنطقته.

إن الشفافية والمباشرة بالمصارحة والإقرار بوجود الأخطاء والاعتراف بحق الجميع بالعيش ضمن بيئة سليمة صحية هو السبيل الأول للنجاح لتغيير أي مسار خرج عن صحته، لذلك كان الركن الثالث للعدالة البيئية الذي تعمدت عزيزي القارئ أن أترك لك معرفته اضافة للركنين السابقين من خلال اطلاعك مشكورا على ما سبق من فقرات (العدالة بالاعتراف).

لا شك أن الأردن قد خطا خطوات متقدمة نحو العدالة البيئية، ولا نقلل أبدا من الجهود المبذولة لتحقيقها، ولا بد من أن نضع بالحسبان الارتفاعات المتتالية الدراماتيكية التي تمت نتيجة الظروف المحيطة تجاه الزيادة السكانية التي كثيرا ما أربكت الخطط والتطلعات المستقبلية، ولكن يبقى الأمل دائما حاضرا للوصول للمستوى الكامل المطلوب لتحقيق مبدأ السلامة الصحية لجميع المواطنين بكل الأماكن بهذا البلد النقي بهوائه ذي الصفاء بقلوب أبنائه، حمى الله الأردن قيادة وشعبا.
 

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير