اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

عقدةُ الإنجازِ والهرَم الحكوميّ المبكر.

الأربعاء-2026-06-03 10:29 am
جفرا نيوز -
سند عكاش الزبن 


قبل نحو عامين، جاء الدكتور جعفر حسان بغطاء مريح من الأرقام والوعود، ورصيد حكومي مستمد من ثقة التكليف السامي.
بيد أن هذا الرصيد سرعان ما أخذ بالتآكل نتيجة التحديات الإجرائية، والمعارك الجانبية غير الضرورية، وضعف الأداء البنيوي الذي لم يعد إخفاؤه ممكناً بأدوات التجميل الإعلامي.

إن الخلل، كما يراه المتابع الموضوعي، ليس في بنية الفريق الحكومي وحدها، بل في التركيبة الذهنية  التي تدير  المشهد الإداري والاقتصادي  حاليا. 

فكل اختبار لصمود جدار الصبر الوطني في تحمل  الأعباء الاقتصادية المتلاحقة  يدفع    الأردنيين  للتساؤل عما حقّقته هذه  الحكومة  على أرض الواقع  ؟

و برغم عدم وقوع مواجهة حقيقية لحكومة الدكتور جعفر حسان مع الشارع، يسود شعور عام بأنها تعيش حالة من التراجع السريع، وتظهر  عليها ملامح الهرم السياسي المبكر نتيجة استهلاك أدواتها التقليدية، ومحدودية هوامش المناورة الإدارية والسياسية التي تمتلكها.

فالأداء الحكومي مال نحو النمط التقليدي المفرط في تسيير الأعمال، والإغراق في التخطيط والتنظير  الذي ركز جهود الحكومة على محاولة اللحاق بتسارع المشهد عوضاً عن قيادته وصناعته، وهي التي تُنفق سبعة وثمانين فلساً من كل دينار في موازنتها على استمرار الوضع القائم وتأمين النفقات الجارية، وتترك ثلاثة عشر فلساً فقط للنظر إلى المستقبل ومشاريع التنمية.

إن تفاصيل الحياة اليومية للأردنيين مع معادلة أسعار مشتقات النفط وغيرها من الأعباء الضريبية الثقيلة ؛ تلخص المنطق الحكومي بأكمله  في سياسة مالية تكرس المعاناة المباشرة ولا تنتج ما يكفي من البدائل التنموية المستدامة. 

فالمواطن لا يبحث عن إدارة تكتفي بدور المسيّر البيروقراطي للأزمات، بل يتطلع إلى قيادة إدارية تلمس نبض الشارع، وتدرك تماماً بأن أولوية المواطن القصوى هي تأمين متطلباته الأساسية وحفظ كرامته المعيشية، وليس العيش على انتظار الوعود وتحقيق الرؤى المؤجلة.

والأزمة هنا لا تنحصر في شح الموارد الطبيعية كما تروج الخطابات الرسمية، بل في خيال إداري أصابه التكلس والجمود في مرحلة استثنائية تتطلب جرأة الموقف وشجاعة القرار.

أما الأسلوب الجبائي المتبع فقد تحول إلى ما يشبه المرض المناعي الاقتصادي، حيث تلتهم الأدوات الضريبية المتصاعدة القدرة الشرائية للمواطن لتغذية النفقات الجارية، مما يُحدث انكماشاً مقلقاً يضرب مفاصل الأسواق، ويعطل عجلة الإنتاج، ويحول فئات واسعة في المجتمع نحو حالة الكفاف.

فحين واجهت سنغافورة شح الموارد وثقل الديون، دأبت على إصلاح منظومتها الإدارية من الداخل قبل أن تطلب من شعبها الصبر على المصاعب، واختارت حكومتها الواعية أن تكون هي المكلَّفة بابتكار الحلول وصناعة الفرص، لا أن يكون المواطن هو المكلَّف الوحيد بتحمّل نتائج الإخفاق الإداري.

وفي سياق مشابه لظروفنا، نجد في التجربة المغربية نموذجاً حياً لكسر طوق البيروقراطية التقليدية؛ فالدولة التي عانت من شح النفط وعجز الموازنة لم تذهب نحو تعميق الجباية، بل اختارت  بناء العناقيد الصناعية المتكاملة  في قطاعات حيوية .
وبفعل هذا الخيال الإداري، لم يقتصر الدعم على اضافة استثمارات صناعية  منفردة، بل على إنشاء منظومة حيوية تربط جغرافياً بين الموانئ اللوجستية ومصادر المواد الخام ومراكز البحث العلمي والمعاهد المهنية المتخصصة ،  وهو تحول إستراتيجي نقل ميزان الموازنة من الاعتماد على ضريبة الاستهلاك إلى حصد عوائد القيمة المضافة والتصدير.

فالمغرب الشقيق  ليس جنة اقتصادية بلا مشاكل،لكن اقتصاده بات اكثر مرونة و تفوقٍ في المؤشرات الأساسية التي تحدد صحته وقدرته على الصمود.

أما  دولة كوستاريكا، فقد واجهت مأزق اقتصادها الزراعي التقليدي بالعبور مباشرة نحو الاستثمار المعرفي عالي القيمة، حيث رفضت تسويق نفسها كمركز للأيدي العاملة رخيصة الكلفة، وتحولت إلى حاضنة إقليمية للتكنولوجيا الحيوية، والبرمجيات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي الطبي.

 لقد أعادت صياغة العلاقة مع أقطاب التقنية العالمية عبر حوافز ذكية مشروطة بتوطين المعرفة وتأسيس مراكز أبحاث مشتركة تربط العقل الشاب بسوق العمل الرقمي، مبرهنة على أن الثروة البشرية هي الثروة  الحقيقية حين تجد قراراً شجاعاً يؤمن بالتمكين لا بالوعود المؤجلة.

ولعل الفارق يكمن في أن تلك الدول تملك حكومات تطرح رواية وطنية واضحة ومتكاملة، تثق بعقول شعوبها وتصنع الأمل الحقيقي؛ وهذا هو الاختلاف الحاسم بين من يقرأ التحولات العالمية الكبرى بروح العصر، وبين من يغرق في الدفاع اليومي عن أداء فريقه المربك بينما تتفاقم عزلته السياسية والشعبية على حد سواء.

لقد شهد الدوار الرابع خلال السنوات الثماني الأخيرة تراجعاً تدريجياً لنمط رئيس الوزراء الإداري الاشتباكي الذي يمسك بالتفاصيل الحيوية لجغرافيا المجتمع؛ إذ دُشن نهج التفويض المفرط عبر نقل ثقل الصلاحيات الحيوية والمتابعة المباشرة إلى أروقة وزراء الدولة، وتوسيع نطاق الصلاحيات التنفيذية الممنوحة لأولئك الوزراء وصولاً إلى النموذج الإداري الحالي الذي يجسده جعفر حسان.

ويتشابه هذا السياق في الجنوح نحو الانكفاء خلف الفلترة البيروقراطية للملفات، والاعتماد المتزايد على تقديرات المكاتب والدوائر المساعدة، مما خلق غيابا في المعالجة الرئاسية المباشرة لكثير  من الملفات المعقدة في البريد اليومي  ، والتي تتطلب حتمية وجود تقدير اجتماعي وسياسي يتجاوز أفق وخبرة وتقدير "بعض" وزراء الدولة حديثي الخبرة ، الأمر الذي فتح الباب أمام تراجع جودة المخرجات، والوقوع في شرك الارتباك الإجرائي خلال السنوات الأخيرة.

واحد وعشرون شهراً مضت على تشكيل هذه الحكومة، بينما يتوجس طيف واسع من الأردنيين من التداعيات الاقتصادية المستمرة، في وقت تتراجع الآمال بأن تتحمل الحكومة مسؤولية وعودها الطويلة والجداول الزمنية المرتبطة بها.

لا ادعو الى تقمص الافكار الاقتصادية والادارية  بقدر ما ادعو الى فهم العبرة من جرأة القرار في اجتراح الحلول لمواجهة التحديات بدلا من اضاعة الفرص والوقت. 

وربما تتجسد  افضل عبرة في المسؤولة والشجاعة الأدبية  في موقف رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة، جاسيندا أرديرن، التي قدمت استقالتها طواعية عام 2023 قائلة:

 "لم أعد أملك الطاقة الكافية لأخدمكم كما تستحقون".

فتلك المرأة حفظت كرامة موقعها بشجاعة حين أدركت متى يجب أن تتوقف، فلم تختبئ خلف صلاحياتها لكسب الوقت، ولم تنتظر حتى تتحول شعبيتها إلى رماد.


© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير