جفرا نيوز -
د. دانييلا القرعان
لديّ رؤية هندسية وسياحية متواضعة تستلهم تجارب العالم وتراعي خصوصية البحر الأحمر، ففي الوقت الذي تتسابق فيه المدن الساحلية حول العالم لإعادة تشكيل علاقتها بالبحر وتحويل الواجهات المائية إلى محركات اقتصادية وسياحية، يبرز سؤال متعلق بمدينة العقبة، هل يمكن إنشاء قنوات مائية صناعية متصلة مباشرة بالبحر الأحمر بحيث تصبح جزءاً طبيعياً من البحر نفسه، وتمنح واجهات بحرية أوسع وأكثر تنوعاً دون الاعتماد فقط على الشريط الساحلي التقليدي؟
الفكرة ليست خيالية ولا بعيدة عن التجارب العالمية الحديثة، إذ أن مدناً عديدة في العالم العربي والعالم نفذت مشاريع مشابهة تقوم على إدخال مياه البحر لداخل اليابسة عبر قنوات ومرافئ وبحيرات اصطناعية، كما حدث في دبي وأبوظبي، حيث تحولت القنوات البحرية إلى عنصر عمراني وسياحي رئيسي أعاد تعريف شكل المدينة ووظيفتها الاقتصادية.
ما يمنح فكرة العقبة قنوات بعداً مختلفاً هو إمكانية تصميم هذه القنوات بطريقة "التفافيّة”؛ أي أن تدخل مياه البحر من نقطة وتعود إليه من نقطة أخرى، مع الحفاظ على نفس منسوب سطح الماء، بحيث يتحقق الجريان الطبيعي للمياه بفعل الاتصال المباشر بالبحر، دون الحاجة إلى أنظمة ضخ دائمة أو تشغيل ميكانيكي معقد.
هذا المفهوم قابل للتطبيق نظرياً طالما جرى تصميم القنوات وفق معايير دقيقة تراعي حركة المد والجزر، وسرعة تجدد المياه، واتجاهات التيارات البحرية، وعمق القنوات، وانسيابية الاتصال بين المداخل والمخارج البحرية، وفي حال تحقق ذلك، فإن المياه ستتحرك بصورة طبيعية نسبياً، ما يحدّ من مشكلة الركود أو الحاجة إلى الضخ المستمر، ويجعل المشروع أقرب إلى "امتداد بحري طبيعي” لا إلى بحيرات صناعية مغلقة، وهذا النوع من القنوات يمكن يخلق واجهات بحرية جديدة داخل المدينة، تسمح بتطوير مراسٍ لليخوت والقوارب، ومنتجعات وفنادق مائية، ومناطق سكنية مطلة على الماء، ومطاعم ومقاهٍ عائمة، وممرات سياحية وترفيهية يمكن أن تعطي العقبة طابعاً عمرانياً أكثر انفتاحاً على البحر، الأهم من ذلك، تمتلك العقبة طبيعة جغرافية تمنح هذه المشاريع قيمة بصرية فريدة؛ فامتزاج الجبال الصحراوية بالممرات المائية قد ينتج نموذجاً عمرانياً مختلفاً عن النماذج الخليجية التقليدية، ويمنح المدينة هوية معمارية وسياحية خاصة بها.
يبقى نجاح أي مشروع من هذا النوع (عدا الكلفة) مرتبطاً بعامل أساسي لا يمكن تجاوزه وهو الحفاظ على البيئة البحرية الحساسة في خليج العقبة، وخاصة الشعاب المرجانية والتيارات الطبيعية ونقاء المياه، فالمطلوب ليس مجرد حفر قنوات بل بناء نظام هندسي متكامل يتعامل مع البحر بوصفه نظاماً حياً يجب الحفاظ على توازنه.
إن العقبة، بما تملكه من موقع استراتيجي وطبيعة بحرية نادرة، قد تكون قادرة مستقبلاً على تطوير نموذج أردني خاص للمدن المائية؛ نموذج يقوم على الاتصال الطبيعي بالبحر، والاستدامة البيئية، والتخطيط الذكي، بدلاً من الاستنساخ الحرفي لتجارب الآخرين، فهل تتحقق رؤيتي أم هذا ضرب من خيال؟