اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

لماذا بدأت السياحة تفقد عنصر الدهشة؟

الثلاثاء-2026-05-26 06:48 pm
جفرا نيوز -
اليانا جعنيني

للعلم فقط… أنا لست كاتبة، ولا أحاول هنا تقديم تحليل أكاديمي، بقدر ما هي مجموعة من التساؤلات والتأملات الشخصية التي أصبحت ترافقني خلال السنوات الأخيرة، مع كل ما أشهده وأقرأه وأتابعه من تغيرات متسارعة في قطاع السياحة حول العالم.

وربما لأنني أعيش هذا القطاع منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا، أصبحت ألاحظ التحولات الصغيرة قبل الكبيرة… وأتساءل فعلًا إلى أين تتجه التجربة السياحية اليوم، وما الذي يبحث عنه الإنسان عندما يقرر السفر.

فأنا أيضًا، في النهاية، سائحة مثل غيري…
وما أبحث عنه اليوم لم يعد مجرد زيارة مكان جديد، بل الشعور بتجربة مختلفة، حقيقية، وتستحق أن أعيشها وأتذكرها.

من خلال زيارتي الأخيرة لإحدى الدول الشقيقة، واطلاعي المستمر على ما يحدث في دول الجوار من تطورات وتحولات متسارعة في القطاع السياحي، بدأت أتأمل طويلًا.

واللافت أنني هذه المرة أحببت المكان أكثر من جميع زياراتي السابقة، إلا أن الأهم من ذلك كان إعجابي بالتجربة ذاتها. فقد شعرت بوجود اختلاف حقيقي في طريقة التفكير، وفي الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة، وفي فهم السائح واحتياجاته الفعلية، وليس الاكتفاء ببناء المواقع أو الترويج لها فقط.

وخلال الرحلة، كنت أراقب الناس، وآلية تنقلهم، وسهولة الخدمات، وتنوع الخيارات المتاحة، وكيف أصبحت التجربة السياحية تُصمم حول الإنسان ذاته، لا حول المكان فحسب.

وهنا بدأت أتساءل:

هل ما زلنا، في كثير من الأحيان، نفكر بعقلية تقليدية في قطاع يتغير بوتيرة متسارعة؟

السياحة لم تعد تُبنى على الأماكن، بل على فهم الإنسان.

فالسائح اليوم لم يعد كما كان قبل خمس سنوات فقط.
لقد تغيّرت أنماط السفر،
وتبدلت الاهتمامات،
وتغيرت الفئات العمرية المستهدفة،
وتطورت آليات اتخاذ القرار،
بل وحتى مفهوم "التجربة” تغيّر بصورة كاملة.

فالناس اليوم تبحث عمّا يشبهها،
وعن تجربة تترك أثرًا حقيقيًا في داخلها،
وعن قصة، وبساطة، ومعنى، وراحة، وسهولة وصول، ومرونة، وتجربة صادقة غير مصطنعة.

وهذا لم يعد مجرد انطباع شخصي، بل تؤكده اليوم العديد من الدراسات والتقارير العالمية المتخصصة في السياحة، والتي تشير إلى أن سلوك السائح وتوقعاته تغيّرت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، وأن الطلب بات يتركز أكثر على "التجربة” وواقعيتها ومرونتها، وليس فقط على الوجهة نفسها. كما أصبحت الاستدامة، والتجارب المحلية الحقيقية، وسهولة الوصول، وفهم احتياجات الأجيال الجديدة من أبرز العوامل المؤثرة في قرارات السفر الحديثة.

وفي المقابل، لا تزال بعض الوجهات تبني منتجاتها السياحية بعقلية مفادها:
"لدينا موقع جميل، وبالتالي سيأتي الناس.”

في حين أن الواقع يؤكد أن الجمال وحده لم يعد كافيًا.

فالسياحة الحديثة تقوم على فهم الإنسان قبل المكان،
وعلى قراءة السلوك والطلب، واستيعاب التحولات النفسية والاجتماعية والثقافية لدى الأجيال الجديدة.

أشعر أحيانًا أن قطاع السياحة يعيش اليوم حالة من "الإبهار” أكثر من كونه حالة من الفهم الحقيقي.

فالجميع يتحدث عن الاستراتيجيات،
وعن السياحة الذكية،
وعن الذكاء الاصطناعي،
وعن التجارب الجديدة،
وعن بناء منتجات سياحية مبتكرة…

لكن قلة قليلة فقط تتناول السؤال الأهم والأكثر تعقيدًا:

هل نحن بالفعل ندرك كيف تغيّر الإنسان نفسه؟

والمشكلة أن كثيرًا من النقاشات السياحية لا تزال تتمحور حول:
"ماذا نريد أن نبيع؟”
بدلًا من:
"ماذا يريد الناس فعلًا؟”

إن نجاح أي منتج سياحي لا يبدأ من الفكرة ذاتها،
بل من فهم حجم الطلب الحقيقي عليها.

ولعل من أكثر الأمور التي غيّرت سلوك السائح اليوم أيضًا، هو التأثير الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرين وصناع المحتوى.

فالناس أصبحت ترى يوميًا آلاف الصور والفيديوهات لنفس الوجهات والتجارب والمطاعم والفنادق.
ورغم أن هذا ساهم في الترويج السياحي، إلا أنه في المقابل خلق حالة من التشبع البصري وفقدان عنصر الدهشة.

حتى إنني شخصيًا، ورغم حبي الكبير للسفر، أصبحت أحيانًا أفقد الحماس لزيارة بعض الأماكن، فقط لأنني شعرت أنني رأيتها مئات المرات مسبقًا عبر الشاشات.

ذلك الشعور القديم بالفضول والاكتشاف و”الانبهار الأول” بدأ يتراجع تدريجيًا.

ولهذا أعتقد أن التحدي الحقيقي اليوم لم يعد فقط في الترويج للوجهات،
بل في خلق شيء مختلف…
شيء جديد…
شيء يمنح الإنسان شعورًا حقيقيًا بأنه سيعيش تجربة تستحق السفر فعلًا.

لأن الناس لم تعد تبحث فقط عن صورة جميلة،
بل عن إحساس جديد لم تعشه من قبل.

كما أن بناء تجربة سياحية مستدامة لا يعتمد فقط على التسويق الجيد،
بل يتطلب أيضًا:
بنية تحتية متطورة،
وتعليمًا حديثًا،
وكوادر قادرة على التكيّف،
ووعيًا ثقافيًا،
وتشريعات مرنة،
واستدامة مالية،
ومجتمعًا يدرك دوره ضمن هذه المنظومة.

حتى التعليم السياحي نفسه أصبح متأخرًا عن مواكبة سرعة التغيير.
فالعالم يشهد تحولات متسارعة، بينما لا يزال جزء كبير من أنظمة التعليم والتدريب يُدار بعقلية تقليدية لا تواكب ما يحدث.

وفي تقديري،
فإن التأثير الحقيقي في السياحة لم يعد بيد الحملات الدعائية وحدها، ولا بيد المؤثرين الذين يقدّمون التجربة من منظور الرفاهية المبالغ فيها، بينما السائح العادي قد يقضي عامًا كاملًا يجمع المال ليعيش رحلة واحدة ينتظرها بشغف.

فوسائل التواصل الاجتماعي اليوم قادرة على إنجاح الوجهة أو تشويهها، لكن المشكلة أن كثيرًا مما يُعرض لا يعكس الواقع الحقيقي للتجربة، بل صورة مصممة لفئة محدودة جدًا.

ولهذا فإن السياحة في المستقبل ستكون للأكثر صدقًا وفهمًا للناس الحقيقيين، لا للأكثر ضجيجًا أو استعراضًا.

ولأن مستقبل السياحة لن يُبنى على الأماكن وحدها،
بل على مدى قدرتنا الحقيقية على فهم الإنسان واحتياجاته المتغيرة.

أعتقد أن السؤال الأهم اليوم لم يعد:
كيف نروّج أكثر؟

بل:
كيف نعيد للسفر شعور الدهشة الحقيقي من جديد؟

وهل ما زلنا نصنع تجارب تستحق أن يتذكرها الناس فعلًا…
أم

اننا أصبحنا نكتفي بصناعة صور تُشاهد لثوانٍ ثم تُنسى؟
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير