النسخة الكاملة

العشيرة والدولة.. لا صراع على الهوية بل شراكة في بناء الأردن

الأربعاء-2026-05-20 06:25 pm
جفرا نيوز -
المهندس عبدالله امجد ابوزيد
العشيرة في الأردن لم تكن يوماً مجرد إطار اجتماعي ضيق، ولا حالة انعزال عن الدولة أو القانون، بل كانت عبر تاريخ هذا الوطن أحد أهم عوامل الاستقرار والتكافل وبناء الإنسان. وما جرى مؤخراً في انتخابات الجامعة الأردنية لا يجوز أن يتحول إلى عدسة وحيدة ننظر من خلالها إلى العشائرية، لأن اختزال مكوّن اجتماعي تاريخي عميق ببعض المظاهر السلبية هو ظلم للحقيقة وتشويه لجوهر العشيرة الأردنية ودورها الوطني.

فالعشيرة في الأردن لم تُبنَ على العصبية العمياء فقط كما يحاول البعض تصويرها، بل نشأت كحاضنة اجتماعية وأخلاقية تساهم في تربية الفرد وصقل شخصيته وتعليمه قيم الكرامة والالتزام والمسؤولية واحترام الكبير وإغاثة المحتاج والدفاع عن المجتمع. وكانت، وما تزال، اللبنة الأساسية بعد العائلة في تكوين الإنسان الأردني، خصوصاً في ظل ظروف تاريخية وجغرافية صعبة عاشتها المنطقة.

ومن الخطأ أيضاً التعامل مع الهوية العشائرية وكأنها نقيض للدولة المدنية أو للفكر السياسي الحديث. فالأردني لا يستطيع الانسلاخ عن جذوره الاجتماعية والعشائرية، لأن الهوية ليست قطعة ثياب تُخلع متى أردنا، بل تراكم تاريخي وثقافي واجتماعي يشكل وجدان الناس وطريقة تفاعلهم مع مجتمعهم ووطنهم. لكن في الوقت ذاته، فإن المجتمع الأردني تطور، ومع هذا التطور تغيّر دور العشيرة أيضاً، فلم تعد هي الإطار السياسي الوحيد أو المرجعية المطلقة كما في السابق، بل أصبح هناك تقاطع طبيعي بينها وبين الأحزاب السياسية والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني والدولة الحديثة.

وهنا تظهر الحاجة إلى وعي سياسي واجتماعي متوازن؛ وعي يدرك أن العشيرة يمكن أن تكون رافعة للاستقرار والانتماء الوطني، لا أداة لتعطيل الحياة السياسية أو السيطرة عليها. فلا نريد أن تتغوّل العشائر على الدولة أو على الأحزاب، ولا أن تتحول الأحزاب إلى واجهات لعائلات أو مناطق أو طوائف، لأن الحزب الحقيقي يجب أن يُبنى على البرامج والأفكار والرؤى الاقتصادية والاجتماعية، لا على القرابة والاصطفافات الضيقة.

وفي هذا السياق، يبرز الفكر الديمقراطي الاجتماعي كأحد أكثر النماذج قدرة على فهم خصوصية المجتمع الأردني والتعامل معها بواقعية. فالديمقراطية الاجتماعية لا تسعى لاقتلاع الهويات الاجتماعية من جذورها، ولا تنظر بازدراء للموروث المجتمعي، بل تحاول تنظيم العلاقة بين المجتمع والدولة ضمن إطار مدني ديمقراطي يضمن العدالة والمواطنة وتكافؤ الفرص. وهي تؤمن بأن الإنسان ابن بيئته ومجتمعه، لكن انتماءه الأكبر يجب أن يبقى للوطن والقانون والمؤسسات.

الأردن لا يحتاج إلى صراع بين العشيرة والدولة، ولا بين الهوية الاجتماعية والعمل الحزبي، بل يحتاج إلى صيغة وطنية ناضجة توازن بين الاثنين. صيغة تحافظ على البعد الاجتماعي والإنساني للعشيرة، وتمنع في الوقت ذاته تحولها إلى أداة نفوذ سياسي أو اقتصادي فوق القانون. كما تحتاج إلى أحزاب قوية وعابرة للهويات الضيقة، قادرة على جمع الأردنيين حول مشروع وطني اقتصادي واجتماعي وسياسي يخدم الجميع دون تمييز.

وفي النهاية، فإن الدفاع عن الدولة المدنية لا يعني معاداة العشائر، كما أن الاعتزاز بالعشيرة لا يعني رفض الديمقراطية أو التعددية السياسية. نحن نريد أردناً مدنياً ديمقراطياً يحترم الجميع، يكون فيه القانون فوق الجميع، وتكون فيه قيمة الإنسان بما يقدمه لوطنه لا باسم عائلته أو عشيرته أو منطقته. أردناً يحافظ على جذوره الاجتماعية، لكنه يتجه بثقة نحو دولة المؤسسات والعدالة والمواطنة الحديثة.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير