النسخة الكاملة

توجهات لدراسة خصخصة اندية الدوري الممتاز والاستثمار في الرياضة

الأحد-2026-05-17 09:26 am
جفرا نيوز -
شهد القطاع الرياضي في الأردن تحوّلات متسارعة في علاقته بالاقتصاد والاستثمار، حيث لم تعد كرة القدم مجرد منافسة على النقاط والبطولات، بل أصبحت مساحة لتشكيل القيمة السوقية للأندية وقياس جاذبيتها أمام الشركات الراعية ورأس المال الخاص.

وفي الوقت الذي ما تزال فيه الأندية الأردنية تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم التقليدي والإيرادات المحدودة، بدأت نتائج بعض الفرق في رسم خريطة جديدة للاهتمام الاستثماري، تتقدمها أندية العاصمة تاريخياً، قبل أن يبرز بقوة حضور أندية الشمال بوصفها رقماً صعباً جماهيرياً وفنياً، وفي مقدمتها الحسين إربد والرمثا.

هذا التحول يفتح نقاشاً أوسع حول مستقبل الاستثمار الرياضي في الأردن، وحدود العلاقة بين النجاح الفني والجدوى الاقتصادية، وإمكانية الانتقال من نموذج «الدعم والاستهلاك» إلى نموذج «الصناعة الرياضية» القائم على الخصخصة والاستدامة المالية.

ودعا  وزير الشباب الدكتور رائد العدوان، خلال الجلسة الختامية لمنتدى تواصل  الذي عقد أمس السبت، وتنظمه مؤسسة ولي العهد في قصر المؤتمرات بمنطقة البحر الميت، تحت رعاية سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد والتي جاءت بعنوان «ما بعد المنافسة: الخطوة القادمة نحو صناعة رياضة أردنية»، دعا إلى ضرورة مراعاة قيم الحوكمة في عمل الأندية الرياضية، لافتاً إلى تشكيل لجنة لدراسة سبل خصخصة الأندية والاستثمار في الأنشطة الرياضية التي تنفذها.

وقال إن الاستثمار في الأندية يشكل جزءا مهما من الناتج القومي في دول متقدمة على المستوى الرياضي مثل بريطانيا وإيطاليا، مبينا أن الأندية الأردنية نشأت ضمن نظام رعوي اعتمد على الإعانات الحكومية، ما يتطلب الانتقال تدريجيا نحو نماذج استثمارية أكثر استدامة.

وأضاف أن الأردن يضم 6 مدن رياضية و22 مجمعا رياضيا، مؤكدا أهمية امتلاك الأندية لملاعبها الخاصة وتطوير استثمارات مرتبطة بالأنشطة الرياضية لتحقيق إيرادات مستدامة.

النتائج الرياضية بوابة الاستثمار

يرى الإعلامي الرياضي المحلل خالد الخطاطبة أن معيار النجاح الرياضي في البطولات المحلية بات المحدد الأول لحركة الاستثمار، موضحاً أن الشركات الراعية تتجه بطبيعتها نحو الأندية التي تحقق نتائج مستقرة وتملك قاعدة جماهيرية واسعة، باعتبارها منصة تسويقية أكثر فاعلية. ويؤكد أن المشهد الرياضي في الأردن ظل لفترة طويلة محصوراً في أندية العاصمة، خصوصاً الفيصلي والوحدات، قبل أن ينجح نادي الحسين إربد في فرض نفسه كقوة صاعدة، مستفيداً من نتائجه المميزة التي انعكست مباشرة على ارتفاع قيمته التسويقية وزيادة اهتمام الشركات بالدخول في شراكات معه.

ويشير الخطاطبة إلى أن أندية الشمال، وفي مقدمتها الحسين والرمثا، تمتلك مقومات استثمارية حقيقية، أهمها القاعدة الجماهيرية الواسعة والارتباط الاجتماعي القوي، ما يجعلها مؤهلة لمنافسة أندية العاصمة على جذب الرعايات.

كما يلفت إلى أن صعود الحسين في السنوات الأخيرة ساهم في نقل جزء من الاهتمام الإعلامي والجماهيري نحو الشمال، وهو ما خلق بيئة أكثر جاذبية للاستثمار الرياضي، حتى وإن كان هذا المسار لا يزال في مراحله الأولى وغير مكتمل البنية المؤسسية.

خصخصة الأندية.. ملف مؤجل تشريعياً

ورغم هذا الحراك، يؤكد الخطاطبة أن الاستثمار الرياضي في الأردن ما يزال يواجه عقبة بنيوية تتمثل في غياب الإطار التشريعي الواضح لخصخصة الأندية وتحويلها إلى شركات رياضية قابلة للاستثمار.

ويشدد على أن أي نقلة نوعية في هذا القطاع تتطلب إعادة النظر في تعليمات وزارة الشباب، بما يسمح بتأسيس أندية بصيغة شركات، ويمنح القطاع الخاص مساحة حقيقية للدخول في الاستثمار طويل الأمد، بدلاً من الاقتصار على الرعاية المؤقتة.
ويشير إلى أن تجارب ومحاولات سابقة لإدخال نموذج الخصخصة اصطدمت بقيود تنظيمية، رغم وجود توجهات رسمية تدعم فكرة تطوير العمل المؤسسي للأندية، ومن بينها دعوات سابقة لسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني حول ضرورة توجه الأندية نحو الاستثمار الذاتي وتعزيز الاستدامة المالية.

حالياً، تعتمد معظم الأندية الأردنية على مصادر دخل محدودة تشمل إيرادات المباريات، حقوق البث، والدعم الحكومي، وهي مصادر لا تكفي لتغطية كلف الاحتراف المتصاعدة.

وتشير المعطيات إلى أن عدداً محدوداً من الأندية يمتلك مشاريع استثمارية بسيطة مثل تأجير محال أو أنشطة تجارية صغيرة، إلا أن أثرها المالي يبقى هامشياً مقارنة بحجم الإنفاق، ما يؤدي إلى عجز سنوي متكرر ينعكس على تأخر المستحقات المالية للاعبين والمدربين.

الاستثمار في المواهب.. فرصة اقتصادية

ويبرز الخطاطبة أن أحد أهم مسارات التحول الاقتصادي يكمن في الاستثمار في المواهب الشابة، عبر تطوير آليات الاحتراف والبيع الخارجي للاعبين، بدلاً من الاكتفاء بالاستخدام الفني فقط.

ويقدم نادي الحسين إربد مثالاً جزئياً على هذا التوجه، بعد نجاحه في تسويق بعض اللاعبين، من بينهم عودة الفاخوري الذي انتقل إلى نادي بيراميدز المصري مقابل عائد مالي اعتبر خطوة إيجابية في مسار الاستثمار الرياضي.

في المقابل، يرى أن نادي الرمثا يمتلك قاعدة كبيرة من المواهب القابلة للتطوير والاستثمار، لكنه بحاجة إلى إدارة احترافية أكثر قدرة على تحويل هذه العناصر إلى مصدر دخل مستدام.

ويصف الخطاطبة نادي الحسين بأنه الأكثر تقدماً حالياً في ملف الاستثمار الرياضي، نتيجة تزايد موارده وتحسن نتائجه، ما أتاح له التعاقد مع لاعبين ومدربين ذوي جودة عالية انعكست على الأداء الفني والنتائج.

أما الرمثا، فيعتبره في مرحلة تأسيسية استثمارياً، رغم امتلاكه قاعدة جماهيرية كبيرة ونتائج إيجابية متقطعة، ما يجعله مؤهلاً للانطلاق في حال جرى استثمار هذا الزخم بشكل مؤسسي.

وفي قراءة اقتصادية أكاديمية أكثر عمقاً، يلفت أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأردنية الدكتور رعد محمود التل إلى أن قياس الأثر الاقتصادي للمباريات الرياضية لا يمكن أن يبقى في إطار التقديرات العامة أو الانطباعات الميدانية، بل يتطلب انتقالاً منهجياً نحو أدوات تحليل كمية دقيقة.

ويؤكد التل أن الفهم الحقيقي للأثر الاقتصادي يرتبط بقدرة الباحث على قياس تكرار الفعاليات الرياضية وحجم جمهورها الفعلي وقوته الشرائية، وليس فقط حجم الحضور في مباراة واحدة، مشيراً إلى أن القيمة الاقتصادية تتغير جذرياً بين حدث يُقام عشر مرات سنوياً وآخر يتكرر مئات المرات، وهو ما ينعكس مباشرة على حجم الأثر التراكمي في المدينة أو المحافظة.

ويضيف أن التعامل مع المباريات الجماهيرية باعتبارها «ظاهرة اقتصادية قابلة للقياس» يتطلب تطوير نماذج تحليلية متقدمة، وربطها ببيانات الإنفاق الحقيقي، بما يسمح بفهم أكثر دقة لدور الرياضة في تحريك الأسواق المحلية، وتحديد حجم مساهمتها في الاقتصاد الكلي.

ويرى أن هذا النوع من التحليل يقترب أكاديمياً من دراسات اقتصاد الرياضة، وهو مجال ما يزال في طور التشكل عربياً، لكنه أصبح ضرورة لفهم التحولات التي تشهدها الأندية الجماهيرية، خصوصاً في المحافظات التي تمتلك كثافة جماهيرية عالية مثل أندية الشمال.

ويؤكد تحليل اقتصادي لخبير الاقتصاد الدولي الدكتور قاسم الحموري أن قياس الأثر الاقتصادي للرياضة لا يمكن أن يتم عبر الانطباعات، بل يحتاج إلى أدوات علمية تشمل نماذج المضاعف الاقتصادي، وتحليل الإنفاق الفعلي للجماهير، وسلاسل القيمة المرتبطة بالفعاليات الرياضية.

كما يشير إلى أن تحويل الرياضة إلى قطاع اقتصادي فعّال يتطلب ربط الأداء الفني بالبنية الاستثمارية، وتطوير تجربة المشجع لتصبح جزءاً من دورة اقتصادية مستدامة، وليس مجرد حدث أسبوعي محدود الأثر.

بين واقع مالي محدود، وفرص استثمارية واعدة، تقف الرياضة الأردنية اليوم أمام مرحلة مفصلية. فنجاح الأندية لم يعد يقاس فقط بعدد البطولات، بل بقدرتها على تحويل هذا النجاح إلى قيمة اقتصادية مستدامة. وفي هذا السياق، يبدو أن الشمال الأردني بدأ يفرض نفسه كمركز جديد للفرص الرياضية والاستثمارية، في وقت لا يزال فيه ملف الخصخصة هو المفتاح الغائب لإعادة تشكيل مستقبل القطاع بأكمله.

الدستور - رندا حتاملة
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير