جفرا نيوز -
ثلاثون يوماً والوزارة ترفع يديها كأنها أمام كارثة طبيعية لا قبل لها بها.
ثلاثون يوماً والمواطن يركض خلف سراب اسمه «سند»، يطارد ظلاً إلكترونياً لا يرد عليه، ولا يشفق، ولا يعترف بوجوده أصلاً.
هذه ليست مجرد عطل فني. هذه فلسفة حكم بأكملها.
في زمن التحول الرقمي المزعوم، أصبحت الدولة واجهة برّاقة خلفها فراغ مطلق. واجهة تُسمى «تطبيق»، و«منصة»، و«حكومة إلكترونية»، لكنها في جوهرها ماكينة جباية حديثة الطراز. تدفع لتجديد، تدفع لغرامة التأخير، تدفع لتصحيح خطأ ارتكبوه هم، وتدفع كرامتك في طوابير رقمية لا تنتهي. حتى تأمينك الصحي — أبسط حقوقك في الحياة — صار رهينة شاشة متجمدة وموظف يعتذر بابتسامة باهتة: «في طور التحديث».
يا له من طور! طور يستمر ثلاثين يوماً وأكثر، ويُترك فيه المواطن يحتضر ببطء بين الشاشة والمستشفى.
الحكومة هنا ليست حكومة بالمعنى الكلاسيكي. إنها كيان فلسفي جديد: تمساح رقمي. جلده سميك لا ينفذ إليه النقد. يبتلع الشكاوى، يهضم الغضب، ثم يبتسم. يقرأ التعليقات الساخرة، يسجلها في تقرير «رصد إعلامي»، ثم يواصل ابتلاع المواطن. لا يتأثر. لا يشعر. لا يحاور. لأنه يعتقد أنه في مكان آخر، في عالم «الرؤى الاستراتيجية» و«المؤشرات الدولية» و«الريادة الرقمية»، بينما المواطن يغرق في مستنقع الواقع.
هنا تكمن الكذبة الكبرى: التحول الرقمي ليس تقنية، إنه أيديولوجيا. أيديولوجيا تقول إن المواطن هو المشكلة، وأن الجهاز هو الحل. إن المواطن «أقل فهماً» لأنه يصر على أن يُعامل كإنسان، لا كرقم في قاعدة بيانات. أما الحكومة فهي «أكثر وعياً» لأنها تتحدث بلغة PowerPoint وتقارير البنك الدولي.
لكن الفلسفة الحقيقية للدولة ليست في الشعارات، بل في علاقتها بالضعيف. والمواطن هنا هو الضعيف. هو الذي يدفع الضرائب، ويصبر على البطالة، ويحتمل غلاء المعيشة، ثم يُطلب منه أن يشكر الدولة لأنها «رقمنت» له الإهانة.
اللغة الحقيقية بين الحاكم والمحكوم مفقودة. لا حوار، بل مونولوج تقني. يتكلم المسؤول عن «الاستدامة» و«الكفاءة» و«الشمولية»، بينما يصرخ المواطن من ألم بسيط: أريد أن أجدد تأميني الصحي دون أن أفقد كرامتي.
هذه ليست أزمة تقنية. هذه أزمة وجودية.
دولة لا ترى المواطن إلا مصدر إيراد أو عبء إداري ليست دولة.
حكومة تختبئ خلف «السيستم» كلما أخطأت ليست حكومة.
واجهة رقمية تبتلع الوقت والكرامة وتُخرج فاتورة ليست خدمة، بل احتقار منظم.
التمساح لا يفهم إلا لغة واحدة: الضغط الذي لا يتوقف.
ليس الصراخ العابر، بل الصوت المنظم، الذي يجمع الآلاف من التجارب المشابهة، ويحول الشكوى الفردية إلى قضية عامة.
المواطن ليس أقل فهماً.
الحكومة ليست أكثر وعياً.
كلاهما يعرف الحقيقة:
الدولة الحقيقية هي تلك التي تجعل المواطن يشعر أنه صاحبها، لا ضحيتها.
حتى ذلك الحين، سنبقى نكتب، ونصرخ، ونرفض أن نُبلع بهدوء.
لأن كرامتنا ليست «في طور التحديث».
كرامتنا موجودة الآن. وهي ترفض.
أمجد محمود العواملة