جفرا نيوز -
بقلم: ابراهيم نايف الاديب العواملة
رئيس مجلس محافظة البلقاء السابق
نشهد اليوم حملة ممنهجة على تجربة اللامركزية، هدفها تحميلها وزر إخفاق مُختلق، تمهيدًا لتعديلات قانون الإدارة المحلية. ويجري تكريس خطاب يختزل التجربة في الفشل، ويدّعي أن مجالس المحافظات كانت عبئًا ماليًا وإداريًا بلا أثر تنموي.
إن التوجه للتعيين أو الانتخاب غير المباشر ليس تطويرًا، بل انقضاض على جوهر الإصلاح الذي نادى به جلالة الملك. إن 'الانتخاب غير المباشر' تعيين مقنّع والتفاف سافر على إرادة الناخب. فالمواطن يمنح تفويضًا محددًا لمهمة محددة، لا لتمثيله بمجلس المحافظة ورسم السياسات التنموية. هذا تجاوز لإرادة الناخب ومصادرة لتفويض لم يُمنح. وهنا نتساءل: هل يملك العضو 'المُعيّن' هامش قرار وهو مرتبط بموافقة الوزير تعيينًا وإقالة؟ كيف يدافع عن أولويات منطقته إذا كان بقاؤه مرهونًا برضا المركز لا الناس؟ أليس هذا نكوصًا عن الديمقراطية وعودة لمنطق الولاء بدل الكفاءة؟
إن المشكلة في عقلية الحكومة، لا في القانون. هي بيروقراطية مركزية ترفض التخلي عن الصلاحيات، وتعتبر المجالس المنتخبة خصمًا على النفوذ لا شريكًا بالتنمية. لذلك كل "إصلاح" قادم هدفه تدجين اللامركزية وإعادة كل الخيوط ليد الوزير.
إن الأردن الذي بدأ مسيرته الديمقراطية مبكرًا، ويفاخر بدولة المؤسسات، لا يجوز أن يعود بعد مائة عام للتأسيس إلى خيارات التعيين وينزع من الشعب حقه باختيار ممثليه. العودة للوراء بملف التمثيل الشعبي تناقض أدبيات الإصلاح السياسي وتسيء لصورة الأردن. إنه وأد للتجربة ومحاولة لنسف اللامركزية عبر إفراغها من جوهرها الديمقراطي.
لكن الحقائق تدحض ادّعاء الفشل. مجالس المحافظات وضعت أولويات الناس فوق اعتبارات البيروقراطية. ولغة الأرقام لا تكذب: نسب تنفيذ مشاريع المجالس تجاوزت 85%، بينما تعطلت مشاريع وزارية مرصودة منذ سنوات. خلال الدورتين السابقتين رُصد للمجالس نحو 800 مليون دينار، ولم يُسمح بصرف سوى 50% منها نتيجة التعطيل الممنهج. ومع ذلك أنجزت المجالس مشاريع خدمية وتنموية ودعمت فئات المجتمع. والمتابع يرى قرى نائية وصلتها الخدمات بفضل اللامركزية فقط.
وقد كان للمجالس وقفة جادة على الجرح التنموي المزمن. هي من أثارت ملفات استراتيجية بقيت بأدراج الوزارات لسنوات، وضغطت حتى نُفذت. هذه المنجزات ما تحققت لولا ممثلين منتخبين يضعون أولويات مناطقهم أولًا، ويتمتعون بحصانة شعبية لا قرار تعيينهم بيد الوزير.
وهذا النجاح لم يأتِ بسهولة، بل خاضته المجالس ضد معيقات: موازنات محدودة، وعدم تسهيل تخصيص أراضٍ، وتعقيدات مالية وإدارية كمنع تدوير المخصصات وارتفاع كلف الدراسات وغياب مرونة المناقلات. باختصار، الحكومات كبّلت يد المجالس وطلبت منها أن تسبح.
وهنا بيت القصيد: من وضع قانون اللامركزية هو من عمل على تقويضها الممنهج. الحكومات المتعاقبة قيّدت الصلاحيات، وحدّت من الاستقلال المالي والإداري، وحوّلت المجالس إلى واجهات بلا أدوات. عوملت كأجسام هامشية، لا كشريك مؤسسي.
لذلك نتساءل: لو كانت النوايا جادة، لماذا خُفّضت موازنات المجالس الحالية؟ ولماذا تُستنزف مخصصات التنمية وتُحوّل بمناقلات لوزارة الإدارة المحلية بدل أن تصل للمواطن؟
إن الإرادة الملكية حين أطلقت اللامركزية أرادت تمكين المواطن من صناعة قراره التنموي، لا تمكين البيروقراطية من اختطافه. ما يجري ليس إصلاحًا، بل مفاضلة بين نموذج تشاركي يمنح الناس حق تحديد أولوياتهم، ونموذج مركزي يحتكر القرار والمال والسلطة.
إن اللامركزية لم تفشل. اللامركزية نجحت في كشف قصور العمل المركزي وفضحت أسباب تعطيل المشاريع. وهذا النجاح هو ما يدفع البعض اليوم للسعي لتصفيتها، لا لإصلاحها.
وختامًا: من صنع معيقات التجربة، لا يملك اليوم حق تقييم نتائجها.