جفرا نيوز -
اياد العدوان
في ظل تصاعد النقاشات حول دراسة الحكومة لمقترح عطلة من ثلاثة أيام أسبوعياً كأحد المقترحات المطروحة لإعادة النظر في تنظيم سوق العمل ضمن سياق عالمي يتجه نحو نماذج أكثر مرونة تجمع بين رفع الإنتاجية وتحسين جودة حياة العاملين، ما يفتح المجال أمام تقييم اقتصادي واجتماعي متكامل قبل تبني هذا النموذج أو تعميمه، أكد الخبير الاقتصادي حسام عايش لـ جفرا نيوز، أن التعامل مع هذا المقترح يجب أن يكون على أنه فكرة قابلة للتجريب وليس قراراً نهائياً، مشدداً على أهمية تطبيقه بشكل تدريجي وعلى قطاعات محددة أولاً، بما يتيح قياس أثره الفعلي على الإنتاجية والاقتصاد قبل التوسع فيه.
وأوضح أن التجارب الدولية تشير إلى أن تقليص أيام العمل لا يؤدي بالضرورة إلى تراجع الإنتاجية، بل قد يسهم في رفعها عبر تحسين الرضا الوظيفي وتقليل معدلات الغياب والإجازات المرضية، وهو ما ينعكس إيجاباً على كفاءة الأداء العام.
وبيّن عايش أن تأثير هذا النموذج يختلف من قطاع إلى آخر، إذ يمكن لبعض القطاعات التكيف معه بسهولة، في حين تتطلب قطاعات حيوية مثل القطاع الصحي والقطاع الخاص ترتيبات خاصة لضمان استمرارية الخدمات دون المساس بجودتها.
وفيما يخص قطاع التعليم؛ أشار في حديثه لجفرا نيوز إلى انه يحتاج أيضاً إلى دراسة دقيقة نظراً لاعتماده على التفاعل المباشر، رغم أن تجربة التعليم عن بُعد خلال جائحة كورونا أظهرت قابلية لمرونته وإمكانية تبني نماذج هجينة مستقبلاً.
وأشار إلى أن في حال تطبيق هذا التوجه قد يعزز مرونة سوق العمل من خلال توسيع أنماط العمل الجزئي والعمل بالساعة، إضافة إلى التقليل النفقات التشغيلية للمؤسسات (كهرباء، ماء) وكلف النقل والمحروقات للموظفين، ويفتح المجال أمام توفير فرص عمل الساعة او المياومة برامج تدريب وتأهيل خلال أيام عطلة الموظفين بما يسهم في رفع كفاءة القوى العاملة على المدى المتوسط.
كما لفت إلى أن زيادة أيام العطلة قد تنعكس إيجاباً على بعض القطاعات، خصوصاً الخدمات المجزئة والسياحة والترفيه، عبر تنشيط الطلب المحلي وزيادة الإنفاق ما قد يساهم في تحفيز الدورة الاقتصادية إذا ما طُبّق ضمن سياسات متوازنة ومدروسة.
وشدد عايش على أن نجاح هذا النموذج يتطلب تخطيطاً دقيقاً يراعي الفروقات بين القطاعات، ويضمن استدامة الإنتاجية، مع تطبيق تدريجي يسمح بتقييم النتائج قبل التوسع فيه، مؤكداً أن أي قرار في هذا الاتجاه يحتاج إلى دراسة شاملة لتداعياته الاقتصادية والاجتماعية.
عطلة نهاية الأسبوع تاريخياً :
في سياق تاريخي، أشار عايش إلى أن مفهوم العطلة الأسبوعية بالشكل الحديث ليس ثابتاً أو قديماً، بل هو نتاج تطور اقتصادي واجتماعي طويل، إذ كانت أنماط العمل والراحة في المجتمعات القديمة مرتبطة بالمواسم والظروف الدينية والإنتاجية دون نظام أسبوعي محدد، قبل أن يتبلور هذا المفهوم مع الثورة الصناعية في أوروبا، ثم ينتقل لاحقاً إلى مختلف دول العالم بصيغته الحالية.
وتاريخياً، لم يكن مفهوم "العطلة الأسبوعية” بالشكل المتعارف عليه اليوم جزءاً ثابتاً من معظم التاريخ البشري، حيث لم يكن هناك توقف منتظم وثابت عن العمل، بل فترات راحة متقطعة ترتبط بالمواسم الزراعية أو المناسبات الدينية أو ظروف الإنتاج، ما يعني أن غياب العطلة الأسبوعية لم يكن غياباً للراحة بل غياباً للتنظيم الزمني الثابت لها.
الغاء عطلة يوم الجمعة :
وحول جدلية الغاء عطلة يوم الجمعة؛ اكد الخبيرعايش ان الخصوصية الدينية ليوم الجمعة (صلاة الجمعة) والارتباطات الاجتماعية للأسر الأردنية يجعل فكرة إلغاء عطلة الجمعة أمراً مستبعداً تماماً وغير مطروح للنقاش، مشيرا الى انه وفي السياق الإسلامي تميز يوم الجمعة بكونه يوماً للعبادة الجامعة دون أن يكون يوماً للتوقف عن العمل، إذ ان الغالبية كانت تعود للقيام بأعمالها بشكل طبيعي بعد الصلاة مباشرة، ما يعكس أن الأصل هو الاستمرار في النشاط الاقتصادي مع تخصيص وقت للعبادة، وليس التوقف الكامل عن العمل قديما.
التحول نحو مفهوم "العطلة الأسبوعية” :
أشار عايش الى ان التحول نحو مفهوم "العطلة الأسبوعية” المنظمة فقد ظهر مع الثورة الصناعية في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، خصوصاً في بريطانيا واسكتلندا، نتيجة توسع المصانع وظهور العمل المأجور، ما استدعى إعادة تنظيم وقت العمل والراحة، حيث ساهمت الحركات العمالية في ترسيخ مبدأ يوم العمل المحدد، المرتبط بشعار تقسيم اليوم إلى 8 ساعات عمل و8 ساعات راحة وترفيه و8 ساعات نوم، وهو ما شكل أساساً لتنظيم الزمن الإنتاجي الحديث.
مبينا ان هذا التطور لم يكن اجتماعياً فقط، بل استند أيضاً إلى اعتبارات اقتصادية وإنتاجية، إذ أظهرت التجارب أن تقليل الإرهاق الناتج عن ساعات العمل الطويلة يرفع الكفاءة، ويقلل الأخطاء، ويحسن أداء العاملين واستقرار بيئة العمل.
ومع تطور الأنظمة الاقتصادية والتكنولوجية، تطورت الفكرة إلى إعادة النظر في توزيع وقت العمل، سواء من خلال تقليص عدد أيام العمل أو إعادة توزيع الساعات على أيام أقل، دون الإخلال بالإنتاجية، أو حتى مع تقليص إجمالي ساعات العمل في بعض التجارب والدراسات الدولية أن تقليل أيام العمل قد يحافظ على الإنتاجية أو يعززها، نتيجة ارتفاع الكفاءة، وانخفاض الغياب، وتحسن الصحة النفسية وبيئة العمل.
ونوه الى ان مقترح العطلة لثلاثة أيام أسبوعياً لا يُعد تحولاً خارجاً عن مسار تطور أنظمة العمل، بل هو امتداد تاريخي لها، يقوم على إعادة توزيع الوقت بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، ويهدف إلى تحقيق توازن أكثر استدامة بين متطلبات الإنتاج وجودة الحياة.