جفرا نيوز -
رنا حداد
ثمة سردية راسخة تختزل دور مديرية الأمن العام الأردنية في كونه أمنيًا بحتًا، تُقاس فاعليته بمدى قدرته على فرض النظام وتطبيق القانون. غير أن ما يجري داخل مراكز الإصلاح والتأهيل يكشف عن مقاربة مختلفة، أكثر نضجًا وعمقًا، تتعامل مع الإنسان بوصفه مشروعًا قابلًا للاستعادة، لا مجرد حالة تستوجب العقوبة.
في هذه المراكز، لا تُدار العقوبة بمعناها التقليدي، بل تُعاد صياغتها ضمن إطار إصلاحي متكامل، يبدأ من بناء الوعي. بالأمس شهدنا توقيع اتفاقية بين مديرية الأمن العام ومؤسسة عبد الحميد شومان لمشروع يهدف إلى تطوير وإعادة تأهيل 17 مكتبة داخل مراكز الإصلاح والتأهيل.
وتتضمن الاتفاقية خطة تنفيذية تمتد لثلاث سنوات، حيث يشمل المشروع أعمال الترميم، وإعادة التصميم الداخلي، وتوفير الأثاث المناسب، وتزويد المكتبات بإصدارات حديثة ومتنوعة، بما يحولها إلى مساحات فاعلة للتعلم ومراكز حيوية للأنشطة الثقافية.
هذه الفكرة لم تأتِ كإضافة شكلية، بل كجزء من رؤية تُدرك أن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، وبأن المعرفة حق أصيل لكل إنسان، كما سمعنا من طرفي الاتفاقية.
الكتاب هنا ليس وسيلة للترفيه، بل أداة لإعادة التفكير، ومجالًا يتيح للنزيل أن يعيد النظر في ذاته، وفي اختياراته، وفي موقعه من العالم. هذه المساحة الهادئة، بما تحمله من محتوى معرفي متنوع، تعكس احترامًا واضحًا لعقل الإنسان، وإيمانًا بقدرته على التحول.
يحسب لمديرية الأمن العام هذه التوجهات التي تساند البناء الفكري والتأهيلي للنزلاء، مع ترجمة ذلك بتمكين عملي يصقل ا الوعيوينمي المهارة.
وتجسيدًا لهذه الروىء فإن الورش المهنية داخل المراكز أصبحت وكما نرى في فعالياتنا الثقافية والفنية والمجتمعية بيئة إنتاج حقيقية، وأصبحنا نرى مشاركات النزلاء في الحرف اليدوية والصناعات المختلفة، ضمن كافة المعارض التي تقام في بلدنا.
هذه التجارب لا تمنح النزلاء مهارة قابلة للتوظيف فقط، بل تعيد إليهم شعورهم بالقيمة، وتُرسّخ لديهم فكرة أنهم قادرون على الإنتاج والمساهمة، سيما حين تخرج إلى الفضاء العام، كما يحدث في مشاركات النزلاء ضمن فعاليات ثقافية كبرى مثل مهرجان جرش للثقافة والفنون.
اليوم هناك صفحة «صُنع بعزيمة» على مواقع التواصل الاجتماعي، في سياق مواكب للتحولات الرقمية، والتي برزت مبادرة نوعية تعكس تطور مفهوم التأهيل. فالمشروع لا يكتفي بتدريب النزلاء على الإنتاج، بل يمنحهم منصة حقيقية لتسويق منتجاتهم عبر الإنترنت، في تجربة تُعد الأولى من نوعها على هذا المستوى. هنا، يتحول المنتج إلى رسالة، والعمل إلى فرصة، وتُختصر المسافة بين النزيل والمجتمع في عملية تبادل قائمة على التقدير.
ما يتشكل من خلال هذه المنظومة ليس مجرد برامج متفرقة، بل رؤية متكاملة تعيد تعريف مفهوم العدالة في سياقها الإنساني. عدالة لا تكتفي بالمحاسبة، بل تسعى إلى الإصلاح، ولا تكتفي بالردع، بل تفتح المجال أمام فرصة ثانية حقيقية. ومن خلال هذا النهج، تتحول مراكز الإصلاح والتأهيل إلى فضاءات لإعادة البناء، حيث يُمنح الإنسان ما يستحقه من أدوات ليبدأ من جديد، بثقة أكبر، وبقدرة أصدق على الاندماج في مجتمع أكثر وعيًا وتماسكًا. شكرًا مديرية الأمن العام، شكرًا مؤسسة شومان.