النسخة الكاملة

الأردني الأصيل والأردني البديل

الأربعاء-2026-04-22 10:23 am
جفرا نيوز -
حسين الرواشدة

أسوأ وصفة يمكن أن نصرفها لمواجهة هذا الواقع الصعب الذي يمر فيه بلدنا هي وصفة التصنيف أو التقسيم على أي أساس، ديني أو وطني أو جغرافي، ليس فقط لأن تجربة غيرنا مع هذه الوصفات قاتلة ومفزعة، وإنما لأن مثل هذه القابلية أصبحت، للأسف، واردة لدينا وموجودة، وخاصة بالمجال السياسي الذي يفترض ألا يقع الفاعلون فيه بهذا «الفخ»، باعتبارهم المعنيين بتحصين المجتمع، وضبط حركته، وضمان استقراره.

مع بروز أحكام (اتهامات) التصنيف المتبادلة ومحاولات التمييز، وكذلك الإساءات والتشكيك بالدولة التي يتبناها البعض، ويسكت عنها الآخرون، سنكون أمام مفاصلة خطيرة تفرز من الدولة والمجتمع أسوأ ما فيهما، لأن التقسيم او التشكيك على مستوى النخب سيستدعي بالضرورة اصطفافات اجتماعية قائمة على الهوية والديموغرافيا والدين، وسيطرح أسئلة عديدة، منها: من هو الأردني الأصيل والأردني البديل، ومن هو الوطني وغير الوطني، يا خسارة ، هذه أسئلة « قروسطية» مزدحمة بالرمزيات والأحداث التاريخية الملغومة.

 عندئذ، لنا أن نتصور، لو أن مجتمعنا تعرض لحدث كبير -لا سمح الله -، أو داهمته أزمة (وما أكثرها الأزمات القادمة) كيف يمكن أن نتوحد، كأردنيين، لمواجهة ذلك، في ظل تراجع الثقة بيننا، وانكشاف أجنداتنا، وحدة خطاب الكراهية الذي يتبناه بعضنا ضد بعضنا، لا أقول ضد الآخر.

 ما العمل؟ لقد «تعبنا» على مدى السنوات الماضية من «التنظير» في قضايانا، وانشغلنا كثيرا بالحوارات والسجالات وإعطاء الوصفات والاقتراحات التي لم يَرَ غالبها النور، وها قد حان الوقت لكي نفكر - جديا - بإنتاج مشروع وطني أردني، يتغذى من كل مقومات بلدنا وإنجازاته، ويستوعب طاقات شبابنا، ويصب باتجاه حل مشكلاتنا العالقة.

 قيمة هذا المشروع الوطني أنه يجيب عن سؤال «المواطنة»، ويستوعب جدل الهوية، وينطلق من مرجعية موحدة للأردنيين الذين تجمعهم دولة واحدة، هي دولتهم، وإطار حضاري وديني وإنساني، وعيش مشترك، وأواصر مصاهرة اجتماعية، وتقاليد سمحة، كما أنه يتناسب مع استحقاقات المرحلة الخطيرة  القائمة والقادمة التي لن تتركنا ننعم بأمننا ما لم نحافظ على بلدنا، ونعزز قوة دولتنا وصمودها، بكل ما لدينا من إمكانيات.

 هنا، يمكن للذين باتوا يعتقدون اليوم أن بلدنا يواجه أسئلة ومخاضات كبرى، وأن واجبهم يتجاوز مجرد المعارضة والانتقاد مع الاستمرار في التلاوم والصراع، يمكنهم أن يتقدموا خطوة للأمام، وأن ينهضوا عن مقاعد المتفرجين (لكي لا نقول مقاعد المشاكسين)، لكي ينزلوا إلى ميدان الفعل لا مجرد الكلام، وإلى ممارسة الواجب لا الاكتفاء بالوعظ والتحذير فقط، فنحن أمام مرحلة تداهمنا أخطارها التاريخية، وهي أخطار لا تستوجب تحالفات سياسية تدافع عن الحدود فقط، وإنما تحالفات تاريخية تحمي الوجود أيضاً.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير