جفرا نيوز -
حين تنفلت الكلمة… يتصدّع المجتمع بصمت
في وطنٍ تُصان فيه الكلمة… الحرية عهدٌ لا يُفرّط به
بقلم: د. محمد علي المعايطة
لسنا شعوباً تخاف الكتابة،
بل شعوب تعلّمت أن للكلمة وزناً… وأن للحرية سقفاً يحميها من الانفلات.
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه الروايات، لم تعد الكلمة ترفاً فكرياً، بل أصبحت فعلاً مؤثراً يُعيد تشكيل الوعي، وقد يترك أثره في استقرار المجتمع أو اهتزازه. الكلمة لم تعد مجرد تعبير، بل مسؤولية؛ لأنها لا تُقاس بما نقصد قوله، بل بما تتركه في عقول الآخرين.
ولهذا، فإن الكلمة حين تخرج دون وعي أو تعمّق، أو تُحمَّل بنية غير سليمة، قد لا تُحدث ضجيجاً فورياً، لكنها تزرع أثراً صامتاً يتراكم مع الوقت، حتى يظهر على شكل فجوات في الثقة، أو توترات في النسيج الاجتماعي، أو قراءات متباينة تُربك المعنى وتُضعف الانتماء.
هنا تحديداً، يصبح الفرق واضحاً بين حرية تصنع وعياً، وحرية قد تُطلق ما لا يمكن احتواؤه.
في الأردن، لا تُقمع الكلمة،
ولا تُترك لتتحول إلى أداة هدم،
بل تُحتضن ضمن معادلة دقيقة:
حرية مسؤولة… لا تمس الوطن،
ولا تُشعل فتنة،
ولا تُغذّي عنصرية.
هذا التوازن ليس تفصيلاً، بل هو جوهر الاستقرار. وهو ما نفتخر بأن قيادتنا الهاشمية قد أرسته، حين جعلت من الكلمة مساحة وعي، لا ساحة فوضى، ومن الحرية التزاماً أخلاقياً لا مجرد حقٍ مُطلق.
الأمم لا تُهزم بالسلاح فقط… بل تُهزم حين تفسد كلمتها.
فحين تفقد الكلمة دقتها، أو تُستخدم خارج سياقها، أو تُدفع نحو إثارة الانقسام، فإنها تتحول بهدوء من أداة بناء إلى سبب في إرباك داخلي. لا تُرى النتائج فوراً، لكنها تتسلل تدريجياً، حتى تُضعف الثقة، وتفتح المجال أمام تأويلات قد لا تخدم وحدة المجتمع.
نحن أبناء بيئات بسيطة، بدوية وفلاحه، من شتى الأصول والمنابت،
لكننا نجتمع على كلمة واحدة: المملكه الاردنيه الهاشمية.
وطنٌ لم يُبنَ بالصدفة، بل تشكّل من تنوعٍ صادق، وانتماءٍ لا يتجزأ.
وكما قال الشاعر الكبير سعيد عقل :
أردُنُّ أرضَ العزمِ أغنيةُ الظُّبا * نَبَتِ السُّيوفُ وحَدُّ سيفِكِ ما نَبَا
فِي حجمِ بعضِ الوردِ إلَّا أنَّه * لكِ شوكةٌ ردَّتْ إلى الشَّرقِ الصَّبا
هذه ليست أبياتاً شعرية فقط، بل وصفٌ دقيق لوطنٍ صغيرٍ في حجمه، عظيمٍ في حضوره، ثابتٍ في مواقفه. وهو ثبات لم يكن ليتحقق لولا وعي الكلمة وحدودها.
هنا، الكلمة ليست ترفاً، بل مسؤولية.
تكتب… لأنك تنتمي،
وتنتقد… لأنك حريص،
وتصمت… حين يكون الصمت حكمة.
فالحرية ليست أن تقول كل ما تريد، بل أن تقول ما يليق بوطنٍ يستحق.
وفي عصرٍ تتجاوز فيه الكلمة حدودها الجغرافية، وتُفسَّر بأكثر من وجه، تصبح الدقة في التعبير ضرورة، والاتزان في الطرح التزاماً. فالكلمة قد تُبني دون أن نشعر، وقد تُربك دون أن نقصد.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم:
الكلمة إمّا أن تصنع أمة وتوحّدها،
أو تشتتها وتُضعفها.
ولذلك، كانت الكلمة،وستبقى،أقوى سلاح عبر التاريخ