جفرا نيوز -
بقلم: الأستاذ الدكتور عامر السلمان
في زمن باتت فيه الحملات الإلكترونية تُشكّل الرأي العام بسرعة تفوق الحقيقة، وحين تتصاعد الأصوات ضد مستشفى الجامعة الأردنية بشكلٍ لافت، يصبح الصمت تواطؤًا، والكلام واجبًا وطنيًّا لا يحتمل التأجيل.
لسنا هنا لندّعي أن المستشفى فوق النقد فكل مؤسسة بشريّة تتعثّر وتتعلم لكننا هنا لأن ما يجري لا يشبه النقد البنّاء، بل يشبه التنكّر لخمسة عقود متواصلة من العطاء والعلم والإنسانيّة.
الجامعة الأردنية: الحاضنة التي تُعطي معنىً لكل شيء، وهنا لا يمكن الحديث عن مستشفى الجامعة الأردنية بمعزل عن الحاضنة التي احتضنته وأمدّته بروحه، الجامعة الأردنية، صرح العلم الأول في المملكة منذ تأسيسها عام 1962، هذه الجامعة التي خرّجت مئات الآلاف من الكفاءات الأردنية، وأسهمت في بناء الدولة طبيبًا بعد طبيب، ومهندسًا بعد مهندس، وعالمًا بعد عالم، أسّست مستشفاها الجامعي ليكون امتدادًا طبيعيًا لرسالتها: ربط المعرفة بالإنسان، والعلم بالخدمة.
حين تدخُل مستشفى الجامعة، فأنت لا تدخُل مستشفى عاديًّا، أنت تدخُل مؤسّسة تحمل في جدرانها وكوادرها وتاريخها إرث جامعة عريقة أعطت ولا تزال تُعطي.
مستشفى الجامعة الأردنيّة هو عبارة عن منظومة مُتكاملة لا تُقاس بمنشور، منذ تأسيسه عام 1973، لم يكن هذا المستشفى مجرد منشأة تستقبل المرضى وتصرف الدواء، كان ولا يزال المرجعيّة الطبيّة الوطنيّة الأولى والمكان الذي تُحوَّل إليه الحالات الأكثر تعقيدًا وخطورة، حين ينتهي أيّ خيارٍ سواه، ولعلّ ما يُميّزه حقًا أنه يجمع في سقف واحد ثلاثة خيوطٍ لا تنفصل:
- العلاج الذي يُنقذ أرواحًا يوميًّا، من حالات القلب المُعقّدة إلى جراحات الأورام الدقيقة إلى طوارئ لا تتوقف.
- التّعليم، إذ يُشكّل المستشفى بيئة تدريبيّة حيّة لأجيال مُتعاقبة من الأطباء والممرضين والصيادلة، يتعلّمون هنا ما لا تُعلّمه الكتب وحدها.
- البحث العلميّ، من خلال دراسات وأبحاث تُسهم في تطوير الطب الأردني وتضع اسم الجامعة الأردنية على خريطة الإنتاج العلمي العالمي.
أن تضرب هذه المنظومة هو أن تضرب دفعة واحدة: المريض الذي ينتظر اليوم، والطبيب الذي سيعالج الغد، والمعرفة التي ستُنقذ بعد غد.
كوادر مستشفى الجامعة الأردنيّة لا تُقاس بلحظة وتستحق أكثر من الاتّهام فالحديث عن كوادر المستشفى يستوجب وِقفة احترام حقيقيّة، هؤلاء ليسوا موظفين يستكملون ساعات الدوام؛ هم أطباء واستشاريّون وممرضون قضوا سنوات مُضنية في التّحصيل والتخصّص والتّدريب في كبرى مراكز العالم، ثم اختاروا بكل وعي وإرادة أن يعودوا ويبقوا، حين كان بإمكانهم الرحيل إلى ما هو أوفر وأيسر.
يعملون في بيئة ضاغطة، مع حالات بالغة الخطورة، وتحت مسؤوليّة إنسانيّة ثقيلة لا يعرف وزنها إلا من عاشها، ومع ذلك يواصلون، يسهرون الليالي، ويُتابعون حالاتهم بعد انتهاء الدوام، ويحملون همّ مرضاهم إلى بيوتهم.
في هذا المستشفى، أطباء أنقذوا حالات أُعلن عنها ميؤوسة في مستشفيات أخرى، في هذا المستشفى استشاريون يُستشار برأيهم من دول عربية وغربيّة، في هذا المستشفى كوادر تحمل شهادات من أرقى جامعات العالم وآثرت الوطن على الاغتراب.
اختزال كل هذا في مقطع مصوّر مُنتزع من سياقه، أو شكوى فرديّة مجهولة المُلابسات، ليس نقدًا، بل هو ظُلم فادح لا يليق بمن يدّعي الإنصاف.
هناك فرق جوهريّ بين النقد والهدم، نعم، مستشفى الجامعة الأردنيّة كأيّ مؤسسة بشريّة ليس فوق المحاسبة، النقد الحقيقي حق مشروع وأداة إصلاح ضروريّة، ونحن نُرحّب به حين يكون أمينًا وموثقًا وقصده البناء لا الهدم.
لكن ما نشهده كثيرًا هو شيء مختلف تمامًا: حملات تُضخَّم فيها حوادث فرديّة حتى تبدو وكأنها نمط عام، وتُغيَّب فيها الإنجازات كليًّا، وتُهدَر فيها ثقة المواطنين بمستشفاهم الجامعيّ.
والسؤال الذي لا بد أن يُطرح: حين تنهار ثقة المريض بهذا المستشفى، من يخسر؟ ليس المستشفى وحده، بل المريض الفقير الذي لا يملك بديلًا، والمريض الذي لا يجد سواه مرجعًا.
دفاعًا عن الوطن لا عن الجدران، الدفاع عن مستشفى الجامعة الأردنيّة ليس دفاعًا عن إدارة بعينها أو قرار بعينه، هو دفاعٌ عن:
- الأمن الصحيّ الوطنيّ الذي يحتاج مرجعيّة طبيّة عُليا راسخة لا تتزعزع.
- إرثُ الجامعة الأردنيّة وريادتها التي بنتها أجيال بجهودٍ لا تُحصى.
- الكفاءات الأردنيّة التي نفخر بها حين تُذكر في الخارج، ثم نتنكّر لتضحياتها في الداخل.
- المريض الأردنيّ الذي يستحق أن يصل إلى مستشفاه بثقةٍ وطمأنينة، لا بوجَلٍ زرعه فيه منشورٌ مُتسرّع أو فيديو مُصوّر.
كلمةٌ أخيرة... لمن يحمل قلمًا أو هاتفًا:
تذكّر أنّ الكلمة المُلقاة باستهتار قد تُطفئ أملًا في قلب مريضٍ يتردّد في طلب العلاج، وقد تدفع طبيبًا مُجِدًا إلى الشعور بأنّ وطنه لا يستحق تضحيته.
مستشفى الجامعة الأردنيّة يستحقُّ الإنصاف لا لأنه كامل، بل لأنه واقفٌ منذ ما يزيدُ عن خمسينَ عامًا، يعمل ويُعطي ويتحمّل، في وجه كل الضغوط والظروف، وهذا في حد ذاته، إنجازٌ يستحقّ الوقوف احترامًا.
هذه كلمةُ حقٍّ في زمن الضّجيج، لأنّ الإنصاف واجبٌ قبل أن يكونَ فضيلة.