النسخة الكاملة

الوهادنة يكتب: هل الحكومة تُتعب الشعب .. أم العكس؟

الأحد-2026-02-22 03:06 pm
جفرا نيوز -
الدكتور: عادل محمد الوهادنة

سؤالكم ليس بسيطًا، بل هو سؤال دولة كاملة تنظر في المرآة. هل الحكومة تُتعب الشعب أم أن الشعب يُتعب الحكومة أم أن العلاقة بينهما دخلت في دائرة استنزاف متبادل بلا إدارة واعية؟ في ملف الضمان الاجتماعي، الدوام المرن، وطوابير الزيت التونسي، تتجسد الحكاية. هذا ليس مقال شكوى، بل محاولة لفهم البنية النفسية والاقتصادية للعلاقة بين المواطن والمؤسسة. أولًا: الضمان الاجتماعي بين الطمأنينة والريبة. الضمان وُجد ليكون عقد ثقة طويل الأمد، لكن المشكلة لا تبدأ بالأرقام بل بالسؤال: هل يفهم المواطن كيف تُدار أمواله؟ عندما تتضخم البيانات ويغيب التبسيط، تتسع فجوة الإدراك. المواطن يسمع أرقامًا بمليارات ويرى راتبه التقاعدي محدودًا، فيبدأ القلق، لا لأن النظام منهار بل لأن الشرح غائب. 

الحكومة هنا لا تُتعب الشعب بقصد بل أرهقته بعدم التواصل المبسط وبتحميل الإعلام مسؤولية الشرح دون أدوات كافية. وفي المقابل، الشعب يُرهق الحكومة عندما يتعامل مع الضمان بمنطق الشائعة لا بمنطق الاستفسار المؤسسي. النتيجة قلق جماعي رغم أن المنظومة قد تكون قابلة للاستدامة بشروط واضحة. ثانيًا: الدوام ثلاثة أيام أم أربعة؟ في أي دولة حديثة، الدوام ليس عدد أيام بل إنتاجية. عندما يُطرح تقليص أيام العمل ينقسم الشارع: فريق يراه رفاهًا غير مستحق وفريق يراه إصلاحًا إداريًا. الحكومة تخشى انخفاض الإنتاجية، والموظف يخشى تثبيت صورة المقصر، والقطاع الخاص يخشى اتساع الفجوة. الحقيقة المؤلمة أن أحدًا لم يقس الإنتاجية الفعلية بدقة، فالنقاش عاطفي أكثر منه مؤسسي. هنا تتعب الحكومة من ضغط الرأي العام ويتعب الشعب من قرارات تجريبية بلا مؤشرات واضحة. ثالثًا: طوابير الزيت التونسي صورة مصغرة عن السلوك الاقتصادي. مشهد الطوابير لا يُختصر في زيت بل هو تعبير عن ضعف الثقة بالاستقرار السعري وخوف من الندرة وسلوك جماعي تضخمي. الحكومة ترى المشهد فوضى استهلاكية والمواطن يراه حماية ذاتية.

 الطابور ليس جوعًا بل رسالة تقول: لا أثق أن السلعة ستبقى متاحة بالسعر ذاته. وهنا يتعب الطرفان: الحكومة من ضغط الطلب المفاجئ والشعب من القلق الدائم. إذًا من يُتعب من؟ الحقيقة غير الشعبية أن غياب الشفافية الدقيقة يُتعب الشعب الحكومة بالشك وغياب الإدارة الاستباقية يُتعب الحكومة الشعب بالارتباك. ليست معركة بل علاقة غير متوازنة في إدارة التوقعات. المشكلة ليست الضمان ولا الدوام ولا الزيت، المشكلة هي إدارة الثقة. الثقة تُبنى على معلومة واضحة مبسطة لا تقنية وقرار مُعلن بأهداف ومؤشرات قياس ومساءلة متبادلة بلا شيطنة. عندما يشعر المواطن أنه شريك لا متلقٍ يتحول من عبء إلى طاقة إنتاجية، وعندما تشعر الحكومة أن النقد مبني على فهم لا انفعال تتحول من دفاعية إلى تطوير.

 الخلاصة أن الحكومة لا تتعب الشعب عمدًا والشعب لا يتعب الحكومة قصدًا، لكن غياب إدارة الثقة يجعل كل قرار يبدو تهديدًا وكل رد فعل يبدو تمردًا. الضمان يحتاج تبسيطًا لا خطابات والدوام يحتاج قياسًا لا انطباعات والطوابير تحتاج استقرارًا نفسيًا قبل الاقتصادي. السؤال ليس من يُتعب من بل كيف نُريح الدولة من توترها ونُريح المواطن من قلقه في معادلة واحدة متوازنة، وهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير