جفرا نيوز -
خالد مفلح البداوي
ليس التسامح ضعفاً كما يظن البعض، ولا هو انكسار أمام إساءة، بل هو أرقى درجات القوة حين يختار الإنسان أن يسمو فوق الجراح. القوة الحقيقية لا تُقاس بعلو الصوت، ولا بقدرة الرد، بل بقدرة القلب على تجاوز الألم دون أن يتحول إلى قسوة.
في حياتنا اليومية نصادف مواقف كثيرة تختبر أعصابنا وصبرنا؛ كلمة جارحة، موقف ظالم، خيبة من قريب. وهنا يقف الإنسان أمام خيارين: أن يسمح للغضب أن يقوده، أو أن يمسك زمام نفسه ويختار التسامح. الخيار الأول سهل وسريع، لكنه يترك وراءه ندوباً عميقة، أما الثاني فيحتاج إلى وعي ونضج، لكنه يمنح صاحبه راحة لا تُقدّر بثمن.
التسامح لا يعني أن ننسى، ولا أن نبرر الخطأ، بل أن نحرر أنفسنا من عبء الحقد. فالحقد نارٌ أول ما تحرق، تحرق صاحبها. وحين يتصالح الإنسان مع ماضيه، ويدرك أن كل تجربة — مهما كانت مؤلمة — قد أضافت إلى وعيه شيئاً، يبدأ شعور مختلف بالتشكل داخله؛ شعور بالرضا.
الرضا بقضاء الله ليس شعاراً يُرفع في أوقات السعة فقط، بل هو يقين يتجلى في لحظات الضيق. أن تؤمن أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن وراء كل قدر حكمة، حتى لو غابت عنك تفاصيلها. هذا الإيمان يمنح القلب ثباتاً وسط العواصف، ويجعل الإنسان أكثر اتزاناً في قراراته ومواقفه.
وحين يجتمع التسامح مع الرضا، يولد التفاؤل. التفاؤل ليس تجاهلاً للواقع، بل نظرة أوسع له. أن ترى في كل نهاية بداية، وفي كل خسارة درساً، وفي كل عثرة فرصة للنهوض. الإنسان المتسامح الراضي لا يعيش أسير الأمس، ولا خائفاً من الغد، بل حاضراً بوعيٍ كامل.
نحن لا نملك تغيير الماضي، لكننا نملك طريقة النظر إليه. ولا نملك ضمان المستقبل، لكننا نملك حسن الظن بالله. وبين هذا وذاك، تتشكل شخصية متزنة، هادئة، قوية دون قسوة، ورحيمة دون ضعف.
حين يصبح التسامح قوة، يصبح القلب أخفّ، والروح أصفى، والحياة أوسع مما نظن