النسخة الكاملة

هل سيبقى الإعلام المحلي محليًا؟

الثلاثاء-2026-02-03 10:38 am
جفرا نيوز -
رنا حداد

اليوم يبدو سؤال «هل سيبقى الإعلام المحلي محليًا؟» أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. ليس لأن المحلية عيب بحد ذاتها، بل لأن الاكتفاء بدائرة تنافس ضيقة، محصورة في مقارنات من قدّم برنامجًا أنجح، أو من حصد «لايكات» أكثر، يحوّل الإعلام إلى ساحة سباق داخلي لا يترك صدى يتجاوز أسوار المهنة.

المشكلة ليست في الطموح، بل في سقفه المنخفض حين يصبح الهدف هو التفوق على الزميل، على الموقع، على القناة، ..الخ،  لا التأثير في الجمهور الأوسع في العالم قاطبة.

في الأردن، يتراكم إنتاج إعلامي متنوّع: برامج، بودكاستات، محتوى رقمي، محاولات جادة للتجديد في الشكل والسرد. لكن كثيرًا من هذا الجهد يبقى حبيس دائرة محلية مغلقة، يتردّد صداه داخل الوسط الإعلامي أكثر مما يصل إلى الجمهور العام المحلي، فضلًا عن الجمهور العربي أو العالمي.

نحتفي ببعضنا البعض، نُقارن الأرقام فيما بيننا، ونغفل سؤالًا أبعد: ماذا أضفنا إلى المشهد العام؟ ما القصة الأردنية التي نجحت في العبور خارج السياق المحلي؟ وأين المحتوى القادر على أن يُشاهَد لأنه جيد، لا لأنه «منّا ولنا»؟ أين نحن من العالمية، او حتى الاقليمية؟

اليوم التحوّل الرقمي منح الإعلام المحلي فرصة نادرة للخروج من حدوده الجغرافية. لم تعد المنصات حكرًا على المؤسسات الكبرى، ولم يعد الجمهور محصورًا في نطاق التوزيع التقليدي. ومع ذلك، ما زالت كثير من التجارب تُصمَّم بعقلية «الداخل»، فتخاطب الوسط المهني،  أكثر مما تخاطب الإنسان العادي.  معيار النجاح هو عدد مشاهدات أكثر من وصول وتداول كمحتوى اعلامي قادر أن يخاطب العالم ويصلنا به ويصله بنا، وكأننا ما زلنا نبحث عن البوصلة وهي جلية واضحة : الإعلام وُجد ليصل إلى الناس، لا ليُرضي غرفة الأخبار فقط.

المفارقة أن القصص الأردنية تملك مقومات العبور: تنوّع اجتماعي، تحولات اقتصادية، تجارب شبابية في الريادة، قضايا بيئية، فنون معاصرة، وحكايات إنسانية قادرة على لمس أي متلقٍ أينما كان.

ما ينقص غالبًا هو طريقة السرد والجرأة في التفكير بمنطق عالمي: كيف نُقدّم قصتنا بلغة يفهمها الخارج؟ كيف نبتعد عن القوالب المحلية الضيقة دون أن نفقد هويتنا؟ وكيف ننتقل من محتوى «مادة والسلام» إلى محتوى «يتفاعل معه الجمهور لأنه صادق ومهني ومؤثر وصالح لكل مكان وزمان..صالح للانسان اينما وجد، ويقدم الوطن على خريطة الاعلام الدولي»؟

الخروج من عباءة المنافسات المحلية لا يعني إلغاء المقارنة أو تجاهل التقييم، بل إعادة تعريف معيار النجاح. النجاح ليس في أن يكون منتجك الاعلامي أكثر مشاهدة من منتج زميلك هذا الأسبوع، بل في أن يخلق أثرًا ممتدًا: نقاشًا عامًا، تغييرًا في وعي، أو وصولًا إلى جمهور لم يكن يفكّر بالأردن أصلًا.

النجاح الحقيقي هو حين تُقاس القيمة بالعمق والاستمرارية، لا فقط بالأرقام السريعة.

ما يحتاجه الإعلام المحلي اليوم هو جرأة إعادة التموضع: استثمار في جودة المحتوى لا في ضجيجه، لماذا لا نجرب السرد العابر للثقافات، شراكات للاعلام المحلي إقليمية ودولية، وفهم أعمق لخوارزميات المنصات دون الوقوع في فخ «محتوى اللايكات».

الأردن لا ينقصه الصوت، بل يحتاج أن يرفعه بطريقة تُسمَع خارج الدائرة المعتادة.

السؤال إذًا ليس: من الأكثر مشاهدة بيننا؟ بل: أيّنا صنع أثرًا يتجاوزنا؟ الاكتفاء بصدى محلي لم يعد خيارًا مريحًا، بل خطرًا على جدوى الإعلام نفسه.

الأردن يستحق إعلامًا يُرى ويُسمَع ويُناقَش خارج حدوده  لا فقط داخل «منشورات المنافسة».

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير