في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم على كافة الأصعدة، لم تعد الإدارة العامة مجرد جهاز تقليدي لتسيير شؤون الدول والمواطنين، بل أصبحت محركاً أساسياً للتنمية المستدامة، ومدخلاً لمعالجة التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وفي الأردن اليوم، نحن بحاجة ماسة إلى ثورة بيضاء في الإدارة العامة، تقوم على إصلاح جذري للفكر الإداري التقليدي، وتحديث الهياكل والآليات، وتعزيز مبادئ الشفافية والعدالة والكفاءة. الهدف من ذلك هو إيجاد إدارة ديناميكية قادرة على الاستجابة الفعّالة والسريعة لاحتياجات المواطنين، خاصة في ظل ما نشهده من بيروقراطية وجمود إداري وإجراءات طويلة تعيق الإنجاز، وتخلق فجوة بين المواطنين وأجهزة الدولة، مما يضعف الثقة بتلك المؤسسات.
وتتمثل أبرز ملامح الثورة البيضاء المنشودة في الشفافية الكاملة عند اختيار القيادات الإدارية، بالاعتماد على الكفاءة والمعايير الموضوعية، بحيث تمتلك هذه القيادات القدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، وتوفير قنوات تواصل فعّالة مع الجمهور لضمان مشاركتهم في تقييم السياسات والخدمات المقدمة لهم. كما ينبغي أن تمتلك هذه القيادات رؤية شاملة وقراءة دقيقة لواقع المجتمع الأردني بكافة مكوناته وتوازناته.
فالقيادات الحكومية تمثل المحور الأساس لأي عملية إصلاح إداري، إلى جانب الأطر التشريعية والتنظيمية التي تنظم العمل المؤسسي في الدولة. ويقع على عاتق هذه القيادات مسؤولية ترجمة الرؤى والاستراتيجيات الوطنية إلى واقع ملموس، من خلال سياسات وإجراءات قابلة للتنفيذ والقياس. ولم يعد القائد الحكومي مجرد موظف إداري يؤدي مهام روتينية، بل أصبح صانع تغيير وقائد فريق يقود العمل نحو تحقيق أهداف محددة بفعالية ونزاهة، وبناء بيئة عمل محفزة تعزز الإنتاجية وتخدم الصالح العام.
إن تبني الفكر الإداري الحديث يقتضي مواجهة مقاومة التغيير بأساليب تشاركية تقوم على الحوار وإشراك العاملين في صناعة القرار، وأن يكون القائد قدوة في السلوك والممارسة، مطبقاً القوانين بعدالة، ويتحمل نتائج قراراته بشجاعة وشفافية. ويتوازى ذلك مع الاستثمار في التدريب المستمر، وتمكين القيادات الشابة وإعداد الصف الثاني في المؤسسات لتولي المناصب القيادية، ضماناً لاستدامة التطوير المؤسسي.
وأي دولة تمتلك قيادات إدارية واعية، نزيهة، ومؤهلة، قادرة على إحداث نقلة نوعية في الإدارة الحكومية، وتحقيق تطلعات المواطنين، ستكون مؤهلة لاتخاذ القرارات التي توازن بين الجرأة والحكمة، وتواكب التغيرات السريعة، وتتعامل بكفاءة مع التحديات غير المتوقعة، وتتواصل بفاعلية مع العاملين والمواطنين. فالقائد الحكومي اليوم هو ركيزة التغيير، وإذا أُحسن اختياره ودُعم بالصلاحيات والثقة، فإننا نضع أول لبنة في بناء إدارة عامة حديثة، كفؤة وشفافة، تحقق تطلعات القيادة الهاشمية والمجتمع الأردني، بما ينعكس إيجاباً على مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية
لضمان نجاح الثورة البيضاء المنشودة في الإدارة العامة وتحقيق أثر ملموس ومستدام، يمكن تبني الخطوات العملية التالية:
1.إصلاح منظومة اختيار القيادات
•وضع معايير واضحة وشفافة للاختيار تعتمد على الكفاءة والخبرة والنزاهة.
•مراجعة شاملة للأنظمة والتعليمات لإلغاء التعقيدات غير المبررة.
•أتمتة المعاملات الحكومية وتوسيع نطاق الخدمات الإلكترونية.
3.تعزيز الشفافية والمساءلة
•نشر مؤشرات الأداء المؤسسي بشكل دوري.
•إنشاء قنوات رسمية لاستقبال شكاوى المواطنين وملاحظاتهم ومعالجتها بسرعة.
4.تمكين القيادات الشابة
•إعداد برامج تدريب وتأهيل متقدمة للصف الثاني من القيادات.
•منح فرص عملية للشباب لتولي مواقع المسؤولية تحت إشراف قيادات خبيرة.
5.تعزيز ثقافة العمل التشاركي
•إشراك الموظفين والمواطنين في صياغة السياسات وتقييم الخدمات.
•عقد منتديات وحوارات دورية بين متخذي القرار وأصحاب المصلحة.
6.التحفيز والابتكار
•ربط الحوافز بالأداء الفعلي والإنجاز الملموس.
•تشجيع المبادرات الإبداعية لحل المشكلات وتطوير الخدمات
إن الثورة البيضاء في الإدارة العامة ليست مجرد شعار إصلاحي، بل هي مشروع وطني شامل يتطلب إرادة سياسية جادة، وقيادات كفؤة، وتعاوناً بين الحكومة والمجتمع. نجاح هذه الثورة سيعيد بناء جسور الثقة بين الدولة والمواطن، ويضع الأردن على مسار أكثر رسوخاً نحو التنمية الشاملة والمستدامة