بغض النظر عن كوني عربي الهوى، ومع التأكيد على أن الشعور القومي شعور فطري، إلا أن الواقع والمشهد الحالي يفرضان على الشعوب العربية وقياداتها أن تتخذ موقفًا موحدًا تجاه الأحداث الجسام التي تعصف بأمتنا العربية.
لولا حالة التشرذم المؤلمة التي نعيشها، لما تجرأ الصهاينة علينا، ولترددت الإدارة الأمريكية اليمينية المتطرفة في اتخاذ مواقفها العدائية ضد الأمة العربية.
دولة الاحتلال اليوم تمارس القتل بحق أهلنا في غزة، وتقتحم الضفة الغربية، وتدنس الأقصى، وتحتل مواقع في لبنان خلافًا لما تم الاتفاق عليه، وتضرب الجيش السوري، وتحتل جبل الشيخ بالكامل، وتستولي على أراضٍ سورية جديدة، بل وتعلن عدم اعترافها باتفاقية فك الاشتباك الموقعة بين الجمهورية العربية السورية ودولة الاحتلال في أيار (مايو) عام 1974، وتقصف اليمن، في حين تتحدث بعض الأصوات الإسرائيلية عن مشروع "إسرائيل الكبرى” الذي يشمل أجزاءً من الأردن! فماذا بقي بعد كل هذا؟!
لم تعد عبارات الشجب والاستنكار الصادرة عن القمم العربية أو جامعة الدول العربية كافية، كما أن ردود الفعل العربية الخجولة لا تتناسب مطلقًا مع حجم الاعتداءات التي يرتكبها العدو.
في قمة الرياض العربية الإسلامية لعام 2023، والتي انعقدت مجددًا في العام التالي في ذات المكان، دعت الدول المشاركة الدول المصدرة للأسلحة إلى الكيان المحتل إلى التوقف عن ذلك. كانت هذه بداية جيدة، لكنها غير كافية. كان ينبغي أن تتضمن الدعوة تهديدًا واضحًا بقطع العلاقات الدبلوماسية، الاقتصادية، المالية، العسكرية، والثقافية مع أي دولة تزود الكيان بالسلاح. أما الاكتفاء بالمناشدة، فقد أثبتت الأحداث أنها لا تُجدي نفعًا.
إذا كان العالم العربي على قلب رجل واحد، فإنه لا ينقصه شيء؛ فالقوة البشرية متوفرة، والثروات الاقتصادية هائلة، والقوة العسكرية قائمة، والمساحة الجغرافية شاسعة، والموقع الاستراتيجي محوري.
أما إذا استمر الانقسام، حيث يقتتل السوريون فيما بينهم، وينهك السودانيون أنفسهم بالحرب، ويستمر اللبنانيون، والعراقيون، والليبيون في خلافاتهم، فلن تقوم للعرب قائمة.
حين يشعر الأمريكيون والصهاينة أنهم، عند قصفهم لغزة أو ضربهم سوريا ولبنان واليمن، كأنهم يستهدفون العالم العربي مجتمعًا، عندها فقط سيعيدون حساباتهم. أما إذا استمر الموقف العربي مشتتًا، وكان شعار كل دولة "اللهم نفسي”، فسيأتيها دورها لا محالة.
أوروبا، رغم خلافاتها، توحدت في وجه طموحات ترامب، لأنها تدرك مصالحها. أما نحن، معشر العرب، فلا نزال نجهل ذلك للأسف.
أما آن لنا أن ندرك أن العالم لا يعترف إلا بالقوي، وأن لغة القوة هي وحدها القادرة على فرض الاحترام، وأن الضعيف لا مكان له في هذا العالم وسيُؤكل ولو بعد حين؟