الهجرة.. حلم الأردنيين بعد فشل الوعود في إيصالهم إلى "السماء"
الإثنين-2025-03-24 10:55 am
جفرا نيوز -
يشعر الكثير من الأردنيين بأن الواقع الاجتماعي والسياسي لا يوفر الفرص العادلة للجميع ما يدفع الكثير منهم إلى التفكير في الهجرة كوسيلة لتحقيق حياة أفضل، حتى عن طريق رحلة بالطرق غير القانونية في حين أنهم كانوا الأقل استعدادا في المنطقة للهجرة غير الشرعية.
وترصد استطلاعات الرأي والدراسات الحديثة ارتفاعا متزايدا في توجه الأردنيين نحو الهجرة فقرابة نصفهم باتوا يفكرون بالبحث عن فرص أفضل في الخارج سواء للعمل أو الدراسة، في ظل التحديات الاقتصادية والبطالة المتزايدة في ظاهرة تؤثر على المجتمع والاقتصاد الوطني.
ويسود الإحباط الكثير من الشباب الذي اعتاد على سماع الوعود الحكومية وكان آخرها رسالة وجهها رئيس الوزراء الحالي جعفر حسان لهم في أكتوبر الماضي قائلا "لا تقبلوا بأقل من السماء سقفا لطموحاتكم، ولا يثنيكم شيء عن تحقيقها.”
وعبّر أكثر من نصف الأردنيين عن رغبتهم في الهجرة بحسب استطلاعات الرأي، وفق مسؤول التواصل السياسي بشبكة الباروميتر العربي، محمد أبوفلغة.
وأظهرت استطلاعات للرأي أجرتها الباروميتر العربي وهي شبكة بحثية غير حزبية، أن نسبة الراغبين في الهجرة من الأردن، تعتبر الأعلى بين الدول العربية وتضاعفت منذ 2016.
ومنذ بداية العام الماضي 2024، اندفع شبان أردنيون في رحلة محفوفة بالمخاطر تدفعهم البطالة لكن من وصل منهم يقول إنه لا يجد عملا. وليس بالإمكان حصر أعداد المهاجرين منهم في الوقت الحالي، لأن ما يحصل "غير شرعي” ويتم بالخفاء والسرية حتى لا تنكشف أمورهم.
ويعاني الأردن معدلات بطالة مرتفعة خاصة بين الشباب، حيث سجلت مستوى قياسيا تجاوز 23 في المئة في الربع الأول من عام 2024، وحتى من يجدون عملا، قد لا يكفيهم الراتب.
وبحسب أحدث أرقام دائرة الإحصاءات العامة، بلغ معدل البطالة 21.5 في المئة بنهاية الربع الثالث من 2024، بمعدل 18 في المئة للذكور، و33 في المئة بين الإناث.
أما الحد الأدنى للأجور في الأردن فكان يبلغ 260 دينارا، بحسب وزارة العمل، أي أقل من (370 دولارا) شهريا. وفي بداية يناير الماضي تم رفعه إلى 290 دينارا شهريا (410 دولارات).
ويبلغ متوسط الأجر الشهري للأردنيين في القطاعين العام والخاص 543 دينارا (حوالي 765 دولارا)، وفق آخر مسح لدائرة الإحصاءات العامة في 2020.
بحسب تقرير سابق للبنك الدولي، انخفضت القدرة الشرائية للأردنيين بنسبة 10 في المئة عام 2023، وارتفعت نسبة الفقر إلى نحو 27 في المئة.
في منشور لرئيس "بيت العمال”، حمادة أبونجمة والذي كان مسؤولا سابقا في وزارة العمل في الأردن، عبر حسابه في فيسبوك، أفاد بأن الأرقام تظهر أن "تكلفة المعيشة لشخص واحد فقط من دون احتساب الإيجار قد تصل إلى حوالي 350 دينارا شهريا، في حين أن إيجار شقة صغيرة تتراوح بين 200 و300 دينار”.
وتعتبر غالبية الأردنيين (83 في المئة) أن الأوضاع الاقتصادية تسير بالاتجاه السلبي، وفق استطلاع للرأي أجراه مركز الدراسات الإستراتيجية التابع للجامعة الأردنية في مايو من 2023. وأضاف أن 61 في المئة قالوا إن وضعهم الاقتصادي أسوأ مما كان سابقا.
فخ الوهم والأحلام يدفع الشباب إلى بيع أراضي أهاليهم بالإضافة إلى دعم نقدي من أقاربهم ليستثمروا في المجهول
ويرى أبوفلغة أن الأوضاع الاقتصادية في الأردن "تشكل خطرا على مستقبل الشباب في البلاد”، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى تزايد كبير في نسبة الراغبين بالهجرة، ففي عام 2016، عبّر 22 في المئة فقط من الأردنيين عن هذه الرغبة، وحينها كان نصف الأردنيين يقولون إن الوضع الاقتصادي جيد جدا.
لكن نسبة المتفائلين تراجعت إلى 15 في المئة في استطلاع أجري عام 2022 وأصبح حوالي نصف السكان يطمحون للهجرة.
ورغم أن الأردنيين كانوا الأقل استعدادا في المنطقة للهجرة غير الشرعية بحسب استطلاعات الباروميتر العربي السابقة، فإن ربع الراغبين في الهجرة الآن يقولون إنهم على استعداد لخوض رحلة هجرة بالطرق غير القانونية.
ويشعر أردنيون كثر بأن النظام الاجتماعي والسياسي لا يوفر الفرص العادلة للجميع وهذا الشعور يدفع العديد من الأفراد إلى التفكير في الهجرة كوسيلة لتحقيق حياة أفضل لأنفسهم ولأسرهم.
وقال الباحث الحقوقي في معهد السياسة والمجتمع حسين الصرايرة، في تصريحات سابقة نشرتها وكالة الأنباء الأردنية "بترا”، إن المهاجرين "ضحايا في المقام الأول للجهل والتضليل وانعدام العدالة على عدة مستويات، وفقدان الأمل، وانسداد الأفق”.
أما "الإجابات الجاهزة مثل الفقر والبطالة فليست صحيحة بالمطلق، ميسورو الحال يدخلون هذا النفق المظلم، وعاملون يتقاعدون من وظائف في القطاع العام الشهي للأردنيين، لأجل هذه الرحلة”.
وأضاف الصرايرة أن عناصر "الاحتيال والاستغلال في هذه الرحلة”، تتحقق لتصبح "أركان جريمة الاتجار بالبشر مكتملة وفق المواثيق الدولية والقانونين الأردني والأميركي على حد سواء.”
وتابع أن "ما يحدث أردنيا هو أن الشبان وعددهم بالآلاف، يبدأ التنسيق معهم لهذه الرحلة المكلِفة من الأردن، وهناك عصابات تنسق هذه الرحلة وترتبها وتسلم الحالمين الشباب من عصابة إلى أخرى، حتى يصلوا إلى الحدود الأميركية، إن وصلوا قبل أن يلقوا حتفهم.”
وأوضح الصرايرة أن "الرحلة قد يصل سعرها إلى 40 ألف دولار أميركي وتبدأ من 10 آلاف على أقل تقدير، وكلما دفعت أكثر، كانت نسبة المخاطرة في الرحلة أقل لكنها بالطبع لن تحميك من نيران العصابات المتناحرة في أميركا اللاتينية.”
ويدفع فخ الوهم والأحلام الشباب إلى بيع أراضي أهاليهم ومركباتهم بالإضافة إلى دعم نقدي من أقاربهم ليستثمروا في المجهول، على أمل أن يتمكن من يصل منهم الولايات المتحدة من مساعدة أقاربه ورفع دخلهم جميعا. لكنه "استثمار في اليأس”، بحسب الصرايرة الذي ينبّه إلى أهمية معالجة "هذه الظاهرة” وتحليلها علميا.
الفرص العادلة غير موجودة
ويقول خبراء اقتصاد إن الهجرة قد تكون لها جوانب إيجابية وسلبية بالنسبة للدولة الأردنية، وتتمثل إيجابياتها في التقليل من الضغط على سوق العمل المحلي، والتحويلات المالية التي يرسلها المغتربون إلى أسرهم في الأردن تلعب دورا مهما في دعم الاقتصاد المحلي.
وخلال الثلث الأول من 2024 تجاوزت حوالات الأردنيين العاملين في الخارج الـ1.1 مليار دولار، بحسب البنك المركزي الأردني.
وفي عام 2023، بلغت التحويلات المالية من الأردنيين العاملين في الخارج حوالي 3.7 مليار دولار، ما ساعد في دعم الاقتصاد وتحقيق التوازن المالي.
من ناحية أخرى، فإن فقدان الكفاءات والمهارات قد يؤثر سلبا على الاقتصاد المحلي على المدى الطويل، بنقص القوى العاملة الماهرة في بعض القطاعات الحيوية.
وتؤكده الأرقام وفق أبوفلغة، فالباحثون عن الهجرة هم "الشباب الأكثر تعليما”، و93 في المئة منهم حددوا "الأوضاع الاقتصادية” على أنها السبب الأساسي الذي يدفعهم إلى ذلك.
ولا يمكن أن ننظر إلى هجرة شبان أردنيين الآن من زاوية "الظاهرة”، كما يقول عضو مجلس النواب الأردني السابق عمر عياصرة، مؤكدا أنه "لا تقييم أردنيا حول ذلك حتى الآن.”
وبينما يعتبر أن ما يجري "محاولات فردية” يوضح أن "قضية الهجرة متواجدة في الحالة الأردنية” لكن ليس بالشكل الذي يدور الحديث عنه الآن عبر المكسيك وفي ظل المخاطر.
فقدان الكفاءات والمهارات يؤثر سلبا على الاقتصاد المحلي على المدى الطويل، بنقص القوى العاملة الماهرة في قطاعات حيوية
ويعتقد عياصرة أن "عامل الطرد” الوحيد هو الاقتصاد، وتقاطع الغلاء مع الاستهلاك، مضيفا أنه "لا وجود لأي عوامل سياسية.
ويمكن نفي ذلك بشكل قاطع، وخاصة أننا أمام برنامج سياسي إصلاحي.”
وتنتشر الكثير من الفيديوهات والصور على شبكات التواصل الاجتماعي بزعم أنها لأردنيين على طرق الهجرة غير الشرعية باتجاه الولايات المتحدة. وتنشر وسائل إعلام محلية أن "أرض الأحلام الأميركية تفرغ مدنا وقرى أردنية من شبابها”. لكن السلطات الأردنية لا تتحدث عن المشكلة بشكل مباشر.
وشكك ناصر الشريدة نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية السابق، في حديث لقناة "المملكة” الأردنية، في مايو 2024، في حقيقة الفيديوهات المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي، داعيا إلى "التدقيق فيها”.
وأضاف أن الأردن "ليس لديه بحر مباشر مع أي دولة أوروبية” وأن ما يعرض على منصة تيك توك من فيديوهات "ليس المقياس الصحيح لعرض الحقائق.”
وأكد الشريدة أن الحكومة تدرك وجود "مشكلة البطالة” وتعمل على "إيجاد حلول”، مشيرا إلى توليد 139 ألف فرصة عمل خلال 18 شهرا منذ بداية 2022 وحتى منتصف 2023.
ونقلت وكالة "بترا” في يونيو 2024 عن مصادر مسؤولة أن السلطات في المملكة "أعادت أكثر من 100 شخص من المطار، وبدأت بمراقبة المكاتب والأشخاص المتورطين بالهجرة غير الشرعية، واستغلال الناس والاحتيال عليهم وتعريضهم للخطر”.
وأشارت إلى أنه يجري التنسيق بين جهات رسمية "لوضع آلية جديدة للتعامل مع هذه القضية وضبطها”، والتي تهدف إلى حماية المواطن الأردني الذي قرر الهجرة بطريقة غير قانونية، وإبعاده عن طريق المحتالين وتجار البشر.
من ناحية أخرى يرى البعض أن المناخ السياسي عامل مهم في زيادة الظاهرة، إذ إن ردة فعل عكسية تولدت لدى الجيل الجديد نتيجة لمخرجات منظومة إنتاج النخب الاقتصادية والسياسية والتي انحصرت في العشرين سنة الماضية بزواج المال بالسلطة، ما أفقد الشباب الأردني الثقة بمستقبلهم وبدأوا بالتفكير جليا بالهجرة بحثا عن العدالة وتكافؤ الفرص التي افتقدوها في الأردن.
وأظهر استطلاع المعهد الجمهوري الدولي في الأردن أن ما نسبته 20 في المئة فقط من الشباب الأردنيين عبروا عن درجة كبيرة أو معتدلة من الثقة، بينما يعتقد 37 في المئة فقط أن تقوية الأحزاب السياسية ستؤدي إلى إصلاحات سياسية حقيقية ومطلوبة.
وأكد باتريك كرم، المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المعهد الجمهوري الدولي وفقا للاستطلاع أن الأردنيين لا يرون بعدُ أن الأحزاب السياسية هي الحل لمشاكل الدولة.
وأضاف "الأحزاب السياسية، وترويج الحكومة لها، تحتاج إلى طريق طويل من أجل إقناع الأردنيين بأنهم باستطاعتهم لعب دور جدي في الدولة.”
بدوره، أشار زيد النوايسة، المحلل السياسي الأردني، لموقع "بي.بي.سي” إلى أن غياب التجربة الحزبية الحقيقية التي تستند إلى برامج لمختلف مناحي الحياة هو من أهم أسباب عزوف الشباب عن الانتساب للأحزاب القائمة الآن والتي تعتمد في أغلبها على العلاقات الشخصية والتجمعات الجغرافية باستثناء تيار الإسلام السياسي وأحزاب اليسار التاريخية التي تعتمد على الدين والأيديولوجيا، وهي غير قادرة على الإجابة على أسئلة الشباب ومستقبلهم.
وبالحديث عن تفضيل فئة الشباب الانتخابات البلدية على البرلمانية، يقول النوايسة "ارتفاع منسوب ثقة الشباب في مؤسسات الإدارة المحلية، البلديات ومجالس اللامركزية والمشاركة بزخم أكبر من تلك في الانتخابات البرلمانية مرده أن هذه البلديات تساهم في تقديم الخدمات الأساسية من بنية تحتية وطرق ونظافة، وهي على تماس يومي مع الناخبين ولديها مرونة عالية في الاستجابة لمطالبهم الأساسية، بينما تتراجع الثقة في البرلمانات إلى أدنى مستوياتها نتيجة عجز النواب عن المساهمة في مساعدة ناخبيهم وخاصة في مجالات البطالة وخلق فرص تنموية في مناطقهم.