في هذا الوطن الذي نحبه وننتمي إليه، تتغير الحكومات، وتتبدل السياسات، وتتغير موازين القوى، ولكن يبقى النفاق سلطاناً لا يُخلع، ووباءً لا يُستأصل، وسوقاً مفتوحة لا يبور تجّاره، بل يزدادون صعوداً وعلواً كلما ازدادت الأوطان انحداراً وتراجعاً!
إنها جحافل المنافقين، قوافل المتملقين، التي تغير جلدها مع كل شمس، تصفق بالأمس لشخص، ثم تنقلب عليه صباحاً دون أن يرف لها جفن.
أولئك الذين إذا تكلموا كذبوا، وإذا عاهدوا خانوا، وإذا خاصموا فجروا، يبيعون المبادئ في أسواق المصالح، ويشترون الذل بماء الوجه، لا يعرفون للكرامة عنواناً، ولا للصدق سبيلاً، يأكلون مع الذئب ويبكون مع الراعي، يعيشون على موائد الفساد، ويقتاتون من فتات السلطان، يهللون لأي قرار، ويكبرون لأي تعيين، ويتلونون كالحرباء، يُسخّرون أقلامهم، وأصواتهم، وأكتافهم المحنية لأي سيد جديد.
هم الذين يتقنون فن الهتاف الجبان، يصرخون بأعلى أصواتهم: "بالروح بالدم”، وليس في أرواحهم مثقال ذرة من الوفاء، يحلفون أغلظ الأيمان أنهم الأوفياء، وهم أول الخونة، يزعمون أنهم مع الوطن، والوطن منهم براء.
أيها المنافقون، يا زمرة الذل والعار، متى ستدركون أن الولاء لا يُباع ولا يُشترى؟ وأن الوطنية ليست لافتة تعلقونها حين يقتضي الأمر، ثم تنزعونها حين تتغير الرياح؟ متى تفهمون أن التاريخ لا يحفظ الأقنعة، بل يكشف الوجوه الحقيقية، وأن الشعب، مهما صبر عليكم، فإنه يراكم على حقيقتكم، حتى وإن تظاهر أحياناً بالغفلة؟
لقد فاض الكيل، وانكشفت العورات، وسقطت الأقنعة، ولم يعد في الوطن متسع لمنافق جديد، فلا بارك الله في لسان يمدح اليوم من سبه بالأمس، ولا في يد تصافح من طعنت، ولا في وجه يبتسم لمن خانه!
أيها المسؤولون، احذروا المنافقين، فإنهم يزينون لكم القبيح، ويخفون عنكم الحقيقة، ويمهدون لكم الطريق إلى الهاوية، وإنهم ليوم معكم، وغداً عليكم، يمدحونكم ما دمتم في السلطة، ويلعنونكم متى غادرتموها، فهؤلاء لا يعرفون قيمة الولاء، ولا يؤمنون بشرف العهد، بل هم كالذباب، يحطّ حيث تكون الحلوى، فإذا انتهت، انصرفوا إلى مأدبة أخرى!
أما نحن، أبناء هذا الوطن، الأوفياء حقاً، فلا نملك إلا أن نصرخ: كفوا عن هذا الزيف، وتوقفوا عن هذا الهذيان، فقد مللنا وجوهكم، وضجرنا من كلماتكم، ولم نعد نصدق أقوالكم، ارحلوا عن مشهدنا، واتركوا الأردن لأبنائه الصادقين، الذين يعرفون معنى الولاء، ولا يبيعونه في المزاد!