أموت وأنا انسان...
الإثنين-2015-11-02 04:08 pm
جفرا نيوز -
بقلم الطالبة نجد علي المحارمة
في تلكَ الزّقاقِ الضيقة؛ في ذلكَ الحيّ القديم، يسكنُ محمدٌ وأسرته في بيتٍ صغيرٍ يتكونُ من حجرتيْنِ عتيقتينِ، يعتليهما سقفٌ معدنيٌّ متشقّقٌ، وتفرشهما ارضٌ اسمنتيةٌ يملؤُهُما دفئٌ وحنانٌ، فيجعلانِ من هذا المكانِ البسيطِ مكاناً ساحراً لا أجدُ لهُ شبيهاً سوى الجنة.
كان يجلسُ محمدٌ وينظرُ بعمقٍ الى من تبقَّى من أفرادِ اسرته، وفي داخلهِ الكثيرُ الكثيرُ من الاحاديثِ.
أميّ... أمي امرأةٌ مريضةٌ، المرضُ ينخُر عظامها وينهشُ عروقها، حتى غدتْ مجرد جثةٍ هامدةٍ لا تسْمعُ منها سِوى صوتَ الالمِ والانينِ، وهيَ بحاجةٍ الى علاجٍ، والعلاجٌ بحاجةٍ الى نقودٍ... والنقودٌ في علم الغيب.
أختي... أختي خلقَها الله فأًبدعَ خلقَها، مَنحَها من الجمالِ ما تفتقدهُ الكثيرُ من الفتيات، وها هي تعيشُ بيننا كالوردةِ بين اشواكٍ، جميلةٌ... نعم هي جميلةٌ، لكنّها مغلفةٌ بملابس باليةٍ كادت ان تصبحَ اسطورةً لقدمها، ولكي نجددَ فيها الحياةَ؛ لا بد من شراءِ ملابس جديدة وحليّ، وتلك الامور كلّها بحاجةٍ الى نقودٍ ايضا، والنقودُ في علم الغيب.
أخي... أخي فتىً صابرٌ مثابرٌ، ها قد انهى مشواره الدراسيُّ بنجاحٍ وتميزٍ، يصعب على الكثير من أقرانه تحقيقه مهما قدمت لهم المساعدات، كل هذا من أجل ان يشقَ طريقهُ الى الحياة، ويبدأُ تحقيق ما رسمه من احلامٍ في مناماته وخيالاتهِ...
ولكي يحققها، هو بحاجةٍ الى نقودٍ ايضاً، والنقود في علم الغيب.
فكّرَ محمدٌ كثيراً وكثيراً ووجد نفسهٌ يقف حائراً من امره، وهو لا حول له ولا قوة، وأخذ يشعر بأنه بئس الراعي وبئس المعيل... وذلك بعد أن غادر والدُه الحياة؛ وتركه السند الوحيد لهذه الاسرة البائسة.
فاتّخذ محمدٌ قراراً حاسماً حينها، أنه لا بدّ من الحصول على مالٍ ليغيّر من حالهم بأسرع وقتٍ وبأي طريقةٍ مهما كان الثمنُ، لا بدّ من ذلك.
فخرج مسرعاً مندفعاً من باب بيته وقد غشيته ملامح الحزن والاسى التي بدأت تظهر على ملامح وجهه دون ان يخفي امرها على احد، وفي لحظة خروجه من المنزل إذ بجاره مسعود يلتقيه في طريقه؛ ذلك الرجل الذي على قدر ما تجرع من كأس الفقر وقسوة الحياة على قدر ما هو الان يرتع ويرعى في نعيم الترف والغنى، لا أحد يدري من أين... ولا كيف، ذلك الغنى المفاجئ، جعل اهل الحي يحوطونه بالف علامة استفهام: (من أين له ذلك !!!؟).
التقى بهِ مسعود في تلك الليلة، وقد بدتْ عليهِ اثارُ الحيرة والقلق، فبدأ يسأله جارَه مسعودُ عن السّببِ، وإذا بسؤاله هذا يتملّك قلب محمّدٍ، ففتحه واخترقَ مخابئه، واطّلع على ما به من همٍ وألمٍ دون أن يقف بوجهه احدٌ، وفي تلك اللحظةِ شعرَ مسعود بأنّ الفريسةَ جاءت الى عنده، واصبحت ملكَ يمينه، فأخذ يُشعِرُ محمداً بالأمان ويوهمهُ بأنه يريد مساعدتَه، فقال له: هي صفقةٌ بسيطةٌ سريعةٌ تغيّر حالك من النقيض الى النقيض، كلّ ما عليكَ فعله هو أن تحملَ هذه الحقيبةَ وتذهبَ بها بالحافلةِ الى بلدٍ مجاورٍ، وهناك؛ ستجد من هم بانتظاركَ ليقولوا لك: سلّمْ ونسلّمْ، وبعدها، ستعودُ وانت حاملٌ معك كيسٌ من المال تصنعُ به ما تشاءُ وتحقّق به احلامك واحلام غيرك.
كمْ فرح محمدٌ بهذا الخبر! واعلن موافقتَهٌ دون تردّدٍ، وما هي إلا ايامٌ معدودةٌ حتّى جهَز نفسهُ لتنفيذ ما هو مطلوبٌ منه، فأخذَ الحقيبةَ من مسعودٍ وهو على علم بأنّ ما تحويه هذه الحقيبة هي مجرد ملابسٍ واحذيةٍ وبعضُ الاوراقِ الخاصةِ، فحملها وانطلق بها مسْرعاً الى تلكَ الحافلةِ.
وعند الحدودِ؛ صعدت مجموعةٌ من أفراد الشرطة الى الحافلة ينظرون إلى الركّابِ نظرةً تفقديةً، ينظرون ويحدّقونَ، ولكن وكأنّ على اعينهم غشاوةً، قاموا بجولتهم في مدةٍ زمنيةٍ لم تستغرق سوى دقائق، وبعدها؛ سمَحوا للحافلة بالدخول الى ارض وطنهم، يقول محمدٌ:
"وإذا بثلاثة اشخاصٍ يقتربون منّي، ويكلّمونني وكأنهم يعرفونني منذ أعوامٍ، فسألوني بصوتٍ منخفضٍ: ألستَ انت محمد ابراهيم جار مسعودٍ؟ قلت: نعم، أنا هو، قالوا: يا مرحباً بك، هيّا معنا، فحملتنا سيارةٌ فاخرةٌ وذهبت بنا إلى ذلك القصر الفخم، وهناك قالوا لي باختصارٍ: سلّم ونسلّم، وحالاً سلمتهم الحقيبةَ، فأخذوا يمزقونَ اطرافها بالسكين، يا الهي! ماذا أرى؟ ما الذي تحويهِ هذه الحقيبةُ الملعونةُ؟!
إنّها المخدرات".
ويضيف محمدٌ مخاطباً نفسه:
"تلك المادة التي لطالما كنتُ اشمئزُّ لمجرد سماع سيرتها، وكنتُ ارتجف كلمّا رأيت مبتَلَياً بها، ها هي الآن ماثلةٌ امام عينيّ، ليس هذا فحسب، بل انا الذي حملتُها بيديّ واوصلتُها لهؤلاءِ الظلمةِ الذين سرعان ما سينشرون سُمَّها بين البشر".
أفكارٌ... اسئلةٌ كادت تفجِّر عقلي وفكري ولكن سرعان ما انطفأت هذه النيران بمجرد رؤيتي حقيبةً أخرى مليئةً برزمٍ من النقود سأحملها ولا أبالي، فها قد انتهت المهمّة بسلامٍ وما بعد ذلك لا شأن لي بهِ.
حملتُها وانطلقتُ مسرعاً لأُمضي تلك الليلة في الفندقِ، يا لها من ليلةٍ طويلةٍ، بل هي الاطولُ بين ليالي العمر، لم يغمض لي بها جفنٌ، ولم يهدأ لي بها بالٌ، كل ما تمثّل أمامَ عينيّ ذلك الطفلُ البريءُ الذي يستغيث لأنقذ اباه من هذا الموت المحتوم، أو تلك المرأة الحزينة التي تشبّثتْ بي لأنقذَ اسرتِها من تفككٍ أكيدٍ، وتلك الامُ الملهوفةَ التي تتضرع اليَّ لأبعدَ فلذة كبدِها عن ذلك الوباءِ الملعون...
مشاهدُ شنّجت ناظريّ، وجعلتني أسهر تلك الليلة وأنا كليّ شوقٌ لرؤية أوّلَ شعاعِ نورٍ من فجرٍ جديدٍ؛ ولمجرّد رؤيتي له، انطلقتُ وخطاي تسابق الزمن لتحطَّ بي عند أول نقطة شرطةٍ، هناك استسمحتهم بالدخول، فدخلت وقلت للضابط هناك: أنا على علمٍ بأنَّ ما سأخبرك به سيجرّني إلى حبل المشنقة لأصبح جثةً هامدة، ولكن أن أموتَ وأنا انسانٌ متحلٍّ بإنسانيتي افضلُ من ان احيا مئة عامٍ متجرِّداً بها من هذه الانسانيّة.
أخذت أسرد له الحكاية، وما أن انتهيت من سردها وإذا بأنامل ذلك الضابط تتسلَّل إلى كتفيّ وتربِّتُ عليهما وهو يقول: لا عليك؛ أبشر بالخير يا بنيّ.... أنت ضحّيتَ بكلِّ هذه الاموال من أجل أن تنقذَ ابناءنا من سوء صنيعتهم تلك، ونحن نقولُ: ضعف هذا المال مكافأةً لك على حسن اخلاقك وقيّمك.
وبعدها، عدتُ إلى وطني وقد زحت عن كاهلي حملا ثقيلا لا يطاق وأحملُ بين يديّ ما كنت انتظره منذ زمن لتحقيق احلامي وترميم عالمي، وقد ظفرتُ بما هو اغلى وأعزّ من المال.... انسانيّتي.