جفرا نيوز -
بشار جرار
أي الأصابع كان، الإبهام، الخنصر أم البنصر، السبابة أم الوسطى، لا يمكن لمتحدث مهما كان فصيحا أن يختبأ وراء إصبع، إصبعه هو، فما بالك بمن كان اختباؤه خلف أصابع الآخرين؟! قالت العرب هذا المثال في أكثر من المقال، في إشارة إلى أصحاب الحجة الواهية، أولئك السالكين منحى «التذاكي أو قل التغابي»! إنهم أولئك المتكلمون أو الكتَبَة الذين لا ينفعون عادة، وأحيانا يضرون من يتحدثون باسمه أو لأجله.
حقا «الجاهل عدو نفسه». وما تركت الثورة المعرفية والرقمية والاتصالية سترا ولا عذرا، لمن عرف مرات ومرات، أن العلة في منطقه، أكثر من أسلوبه أو ضعف منبره. من حكم الخالق سبحانه بأنه مذ قال كن فكان، كرّم الإنسان بنعم الإدراك والانتباه، التفكير والتدبّر. كرّمه بأنه ذلك المخلوق العاقل، الأكثر تقدما على سواه، بمن فيه ما يتوجس منه الجميع «الذكاء الاصطناعي» الذي يرى فيه إيلون مسك «التهديد الوجوديّ الأكثر خطورة على الإنسان والمعمورة».
أمام تكرار الأزمات والتحديات على مستوى عالمي، يتساءل الناس خاصة المتلقين للرسائل، والمعنيين بها سياسيا، وكذلك بالمعنى الشامل لمناحي الحياة كلها، خاصة الاقتصادية-الاجتماعية، نتساءل جميعا عن سر تكرار انقطاع الاتصال والتواصل، وبالتالي التأثير المستدام بين من يعنيهم الأمر؟
تفتّقت أذهان المعنيين، فتم ابتكار أدوات من أهمها الخطاب المباشر الجاد، كما في المونولوج الذي يفتتح فيه إعلامي برنامجا، حتى وإن كان حواريا تفاعليا، بين نخب أو مع الجمهور، فيما يعرف بـ «تاون هول ميتِنْغ».
مهم للغاية في أيامنا وعالمنا هذا الذي يضج بالتزوير والتشويش، أقول من المهم جدا، أن يسمع الناس ويرى خطابا مباشرا، فيه الخلاصة أو «الزبدة». ومن الظلم للمرسل والمُرسَل إليه ولأجله، أن تقيّد تلك الرسالة أي محددات أو معوقات، حتى وإن كانت لغوية! ترى أحدهم يتحدث بلغة عربية مقعرة، وكأنه في مباراة فصاحة وبلاغة في سوق عكاظ! يرعد ويزبد حتى يرن هاتفه الخلوي ليسارع إلى التحدث مع القريب أو الغريب المتصِل، بلغة محكية متحررة من القيود كافة، بما فيها أحيانا ما يحرج المتحادثين هاتفيا، إن سمع الجمهور مفرداتهما وتعبيراتهما بعيدا عن الأضواء والضوضاء!
حتى منصات التواصل الاجتماعي، ترى على صفحاتها بعض المشتبكين مع محتوياتها، لا يفرقون بين ما هو محلي وإقليمي ودولي! فيأتي الاشتباك الكلامي مسموعا أو مقروءا منفلتا من «القوقعة أو الفقاعة» التي يحصر البعض فيها خطابهم، فيأتي إن أخذ ذلك المحتوى «الإعلامي» فرصة للاستماع والمشاهدة، يأتي خارج العصر، وأحيانا غريب الأطوار، إلى حد إثارة السخرية والأسف، والأخطر الاستعداء..
لماذا يتقاعس البعض عن فتح قنوات اتصال؟ ويكابر أو يناكف البعض الآخر، في تقييد اليدين، وكتم السماعات والعدسات، عن إطلاق الصوت والإنصات إلى الصدى والأهم الرجع.. «التغذية الراجعة»؟
من أراد أن يستمع إليه الناس عليه، أن يتحدث بكل الوسائل المتاحة، وأهمها الحديث المباشر، وإن كان على صيغة «مونولوج»، على أن يكون تفاعليا مسبقا، عبر تضمينه الإجابة سلفا، عما يدور في أذهان الناس من أسئلة وتساؤلات، بصرف النظر إن كانت مشروعة أم غير ذلك.
صاحب الحاجة هنا، دائما وأبدا، هو من تحمّل أمانة الكلمة.. قلها و»امشِ»، لم تعد مقولة مقبولة في هذا الزمان. الأصح، هو قل كلمتك وانتظر، ومن ثمّ نمشي معا.. على أن يكون المسير إلى الأمام، ميممين معا إلى ما هو أسمى.
من الآخر، أخطر الأصابع المفضلة للاختباء الكارثي هي تلك التي يتم التلويح بها استعلاء أو وعيدا، حيث يظن المتحدث -غير الفصيح- أنه إن رفع أصبع الملامة والاتهام لمن لا يشاطرونه الرأي، ولا حتى الرأي الآخر، صار كما «الديك الفصيح يطلع من البيضة يصيح»!