خطيئة نقابية غير مسبوقة
حمادة فراعنة - جريدة القدس
تعمل الدولة الأردنية، وبحرص بالغ ملموس من قبل رأس الدولة جلالة الملك على مكانة القدس، فلسطينياً وأردنياً وعربياً وإسلامياً ومسيحياً، فهي لدى المستعمرة وفريقها الحاكم التوجه نحو النيل من القدس، مكانة وقدساً وشعباً، والمس بكل ما يدلل عليها عاصمة لفلسطين، ومركزاً دينياً مقدساً للمسلمين والمسيحيين، بحضور المسجد الأقصى، وكنيسة القيامة، وتراثها أولى القبلتين، وثاني الحرمين وثالث المسجدين، ومدينة فلسطينية عريقة كانت ويجب أن تبقى، ولهذا لم تكن الوصاية الهاشمية والرعاية الأردنية، مجرد عنوان هامشي، بل يقع في صُلب الاهتمامات الأردنية، وطنياً وقومياً ودينياً، سياسياً ومعنوياً وتطلعات مستقبلية.
لدينا 972 موظفاً يتبعون وزارة الأوقاف الأردنية، يقبضون رواتبهم من دافع الضريبة الأردني، بما يوازي أكثر من 25 مليون دينار أردني سنوياً، وفي موازنة هذا العام 2026، زادت الحكومة رواتب موظفي الأوقاف المقدسيين لتكون رواتبهم توازي 400 بالمائة من رواتب أقرانهم في الأردن بدلاً من 300 بالمائة، حفاظاً على كرامتهم بما يتماشى مع غلاء المعيشة في فلسطين.
وهي دلالة على ما تعنيه القدس بالنسبة لنا مكانة وتراثاً وقيمة ودلائل، رسمياً وشعبياً.
النقابات المهنية تؤدي دوراً مسانداً إلى جانب مؤسسات أردنية مماثلة، ومن ضمنها نقابة الأطباء الأردنيين التي كانت تحرص على بقاء تمثيل مكتب القدس في مجلس النقابة، ومرشح القدس المتفق عليه كان يُدرج اسمه كمرشح وحيد لدى القوائم المتنافسة حتى لا يكون مرشح القدس موضع مساومة أو تنافس بين القوائم، وبقي كذلك حتى مجلس النقابة الحالي الموقر الذي ارتكب تجاوزاً غير مسبوق، غير معهود، في شطب ممثل النقابة من أبناء القدس المقيمين هناك مع أنه نفسه تم فوزه مع مجلس النقابة الحالي وبقي عضواً لدى المجلس لعدة أشهر قبل أن يتم فصله، ليكون أحد أعضاء المجلس من المقيمين في عمان، ممثلاً مفروضاً في تمثيل القدس، وتم ذلك على خلفية أن عضو المجلس المنتخب عن القدس، لا يحمل رقماً وطنياً أردنياً، مع أن الطبيب نفسه كان عضواً سابقاً لدى المجالس المتعاقبة في دورتين انتخابيتين.
قد يقول النقيب أو المجلس إننا جميعاً نمثل القدس وأهل القدس وتراث القدس ومصلحة القدس وهذا صحيح، ولا أحد يقلل من إيمانهم وقناعاتهم بذلك، ولكن كان التقليد المتبع هو بقاء تمثيل فرع النقابة في القدس ممثلاً من أحد أطباء القدس، فلماذا هذا التبديل غير المسبوق؟؟.
قد يكون ممثل القدس المنتخب غير مقبول لدى مجلس النقابة، أقول مثلاً، فهل يجوز استبداله بطبيب آخر من خارج القدس، ومن غير المقيمين في القدس، فالمفروض أن أهل مكة أدرى بشعابها، وأدق في معرفة مصالح أهلها وشعبها ونقابييها والأطباء فيها، خاصة أن ممتلكات النقابة تُقدر بالملايين هناك، ويجب الحفاظ عليها ممن يقيم على أرضها، ويتابع سجلاتها.
مسألة تمثيل القدس ليست معنوية فقط، تفرضها التقاليد المتبعة، والضرورة الملحة، ومصداقية الدور الأردني في الحفاظ على التمثيل العملي الموضوعي الواقعي، وليس التعسف في عملية الاختيار، بل الضرورة تفرض الشراكة الأردنية الفلسطينية لمن يتحلى بسعة الأفق.
لن تخرب الدنيا في عدم تمثيل أطباء القدس، ولكن لن تخرب النقابة في استمرار تمثيل أطباء القدس من المقدسيين المقيمين الصامدين بشجاعة وواقعية وبسالة في وجه كل ممارسات المستعمرة الهادفة إلى تهويد القدس، وعمل كل الإجراءات التعسفية للتضييق على أهل القدس وصمودهم بالضرائب الباهظة المثقلة التي تستهدف جعل القدس طاردة لأهلها وشعبها.
خطيئة نقابية يجب تصويبها، في العودة إلى الأصول المتبعة المرعية طوال السنوات الماضية، منذ عام 1967، ودوافعها تتجاوز البعد النقابي إلى الوطني القومي السياسي، وفق الأولويات الأردنية.