نحو ربيع الإدارة المحلية 2027: قراءة في ملامح القانون الجديد ومسار التحديث

بقلم: المهندسة نور أحمد اللوزي

يشكّل بدء سلسلة الحوارات الوطنية حول مشروع قانون الإدارة المحلية محطة مفصلية في مسار التحديث السياسي الذي تقوده الدولة، ويعكس التزاماً واضحاً بما جاء في كتاب التكليف السامي من ضرورة المضي قدماً نحو تطوير منظومة الحكم المحلي على أسس أكثر كفاءة وعدالة وشفافية، كما أنّ هذا التوجه الحكومي لا يمكن قراءته كإجراء تشريعي تقليدي، بل كخطوة استراتيجية لإعادة تعريف دور البلديات ومجالس المحافظات بوصفها ركيزة أساسية للتنمية المحلية المستدامة.

لقد أكدت الحكومة، من خلال الطرح الذي قدمه دولة رئيس الوزراء على ثلاثة محاور رئيسية: الحوكمة، والانضباط المالي والإداري، وتجويد الخدمات، وهذه المحاور في تقديري تتقاطع بشكل مباشر مع ما طرحناه سابقاً في حزب مبادرة ضمن أوراقنا ومداخلاتنا حول ضرورة الانتقال من نموذج الإدارة المحلية التقليدية إلى نموذج قائم على الكفاءة المؤسسية والنتائج، وليس فقط على الإجراءات.

إن الحوكمة في العمل البلدي ليست مجرد إطار تنظيمي، بل هي منظومة متكاملة تضمن وضوح الأدوار بين المجالس المنتخبة والإدارات التنفيذية، وتؤسس لعلاقة قائمة على المساءلة مع المواطن. وهذا ما كنا نؤكد عليه مراراً، بأن غياب هذا الوضوح كان أحد أبرز أسباب الترهل الإداري وتداخل الصلاحيات، وبالتالي ضعف الأداء العام للبلديات.

أما فيما يتعلق بالانضباط المالي والإداري، فإن الإشارة الصريحة إلى ضرورة الحد من المحسوبية والواسطة تمثل خطوة جريئة ومهمة في الاتجاه الصحيح، فالإدارة المحلية لا يمكن أن تكون منتجة وفعالة دون بيئة إدارية قائمة على العدالة وتكافؤ الفرص، وربط الأداء بالمحاسبة، وهي مبادئ لطالما دعونا إلى ترسيخها كشرط أساسي لاستدامة العمل البلدي وتقليل المديونية.

وفي جانب تجويد الخدمات، فإن التركيز على التحول الرقمي ورفع كفاءة الكوادر يعكس فهماً متقدماً لطبيعة التحديات التي تواجه البلديات اليوم، خاصة في المحافظات. فالمواطن لم يعد يقيس أداء البلدية بالشكل التقليدي، بل بمدى سرعة وجودة الخدمة، وهو ما يتطلب إعادة تصميم شاملة للعمليات والإجراءات، وليس فقط تحسينها.

ولعلّ ما يميّز هذا المسار هو اعتماده على الحوار الوطني الواسع، وهو ما نعتبره جوهر الإصلاح الحقيقي، فقد دعونا في حزب مبادرة، ومن خلال ملف الإدارة المحلية، إلى فتح نقاشات جادة وشاملة مع مختلف الفاعلين: من مجالس بلدية، وأحزاب، ومؤسسات مجتمع مدني، وخبراء، للوصول إلى قانون يعكس احتياجات الواقع وليس مجرد نصوص نظرية، واليوم، نرى أن هذا النهج بدأ يأخذ طريقه إلى التطبيق.

وفي هذا السياق، فإننا نؤكد أن نجاح هذا المشروع لا يتوقف على جودة النص القانوني فحسب، بل على مستوى المشاركة الفاعلة والحقيقية في صياغته، فالقوانين التي تُبنى على التوافق الوطني تكون أكثر قدرة على الاستمرار والتطبيق، وأكثر تعبيراً عن تطلعات المواطنين.

إننا ننظر إلى الانتخابات المحلية القادمة، وما يسبقها من إقرار لهذا القانون، بوصفها فرصة تاريخية لإعادة إنتاج مجالس محلية أكثر تمثيلاً وكفاءة، خاصة مع التأكيد على تعزيز دور الشباب والمرأة، وهو ما يشكل مدخلاً أساسياً لتجديد الحياة العامة على المستوى المحلي.

ختاماً، فإنني أرى اليوم في هذه الحوارات بداية مسار واعد، ونأمل أن يشهد ربيع عام 2027 ولادة نموذج جديد للإدارة المحلية في الأردن؛ نموذج يقوم على العمل المنهجي، والتخطيط المستند إلى البيانات، والشراكة الحقيقية مع المجتمع، بما يعزز الثقة بين المواطن والمؤسسات، ويجعل من البلديات محركاً فعلياً للتنمية لا عبئاً عليها، وهي لحظة مسؤولية وطنية تتطلب من الجميع الانخراط بجدية في هذا الحوار، لأن مستقبل الإدارة المحلية ليس شأناً حكومياً فقط، بل هو مشروع وطني يمسنا جميعاً ويجب أن ينجح بكل المستويات.