تسونامي الطاقة...هل هو نهاية وهم الاستقرار العالمي

البرفسور عبد الله سرور الزعبي 

في أسواق الطاقة أزمة دورية تُحلّ بارتفاع الأسعار أوتدخلات مؤقتة، بل "تسونامي طاقة" تتقاطع فيه الجغرافيا مع السياسة، فيلحظة كسر تاريخي يُعاد فيها توزيع القوة على مستوى العالم. ما نشهده اليومليس اختلالًا عابرًا في السوق، بل انهيارًا في يقين النظام الذي حكم تدفقالطاقة منذ نهاية الحرب الباردة. إنها لحظة تتحول فيها الطاقة من سلعة إلىأداة ابتزاز جيوسياسي، ومحرك خفي لإعادة تشكيل النظام الدولي.
ات سياسية فقط، بل أصابت مباشرة مشاريع غاز شرق المتوسط، كانت تُطرح كبديل استراتيجي لأوروبا ودول المنطقة. وتحولت فجأة منفرصة إلى مصدر مخاطرة، في تأكيد على أن الاستثمار في الطاقة لم يعدقرارًا اقتصاديًا بحتًا، بل أمنيًا بالدرجة الأولى، ما أدى إلى تقويض خياراستراتيجي كان يُعوَّل عليه لإعادة تشكيل أمن الطاقة الأورو
العالم الذي بُني على افتراض استقرار الإمدادات، يكتشف اليوم أن إنتاج أكثرمن 100 مليون برميل نفط يوميًا، وأكثر من 4 تريليونات متر مكعب من الغازسنويًا، لا يعني شيئًا إذا كانت طرق الإمداد مهددة. الأزمة لم تعد في حجمالإنتاج، بل في القدرة على الوصول، وهنا يكمن الخلل البنيوي في نظام عالميلم يُصمَّم لبيئة صراع مفتوح.
من شرق المتوسط إلى أوروبا، بدأت ملامح هذا التحول الحاد. فالحرب في غزةلم تُسقط رها
نبي وبعض دول المنطقة.
الزلزال الأكبر جاء من شرق أوروبا، حيث لم تكن الحرب في أوكرانيا مجردمواجهة عسكرية، بل تفكيكًا تدريجيًا لنموذج الطاقة الأوروبي. أوروبا، التيكانت تستورد قبل الحرب، نحو 40% من غازها من روسيا، وجدت نفسها أمامواقع جديد، طاقة أعلى كلفة، ونمو أضعف، وتبعية من نوع مختلف. تعطلتمشاريع كبرى مثل خط غاز نورد ستريم"، واهتزت إمدادات خط نفط "دروجبا"، فيما بقي خط غاز "السيل التركي" تحت ضغط دائم. النتيجة كانتانتقال أوروبا من حالة الاستقرار إلى عدم اليقين، والى اقتصاد قلق قائم علىإدارة الأزمات بدل التخطيط طويل الأمد.
وبينما تبحث أوروبا عن بدائل، تصطدم بحقيقة أن الجغرافيا لم تمنحها رفاهيةالخيارات. ففي بحر قزوين وآسيا الوسطى، تتداخل خطوط الطاقة مع خرائطالنفوذ، لتكشف قاعدة ثابتة، كل خط أنابيب هو مشروع سياسي قبل أن يكوناقتصاديًا، وكل مسار طاقة هو امتداد مباشر لنفوذ الدول.
أمن الطاقة نفسه، لا بل قد يود الى تراجع في نفوذ دول وصعود أخرى.
ولا يتوقف الخطر عند الممرات، بل يمتد إلى البنية التحتية. فاستهداف منشآتإنتاج أو تسييل الغاز في دول مثل إيران أو قطر او غيرها، لن يكون حدثًا أمنيًامعزولًا، بل صدمة طاقة عالمية فورية. ما يقود إلى موجة تضخمية تضربسلاسل الإمداد وترفع كلفة الإنتاج والنقل، وتدفع اقتصادات كبرى نحوالتباطؤ، بينما تتحمل الدول المستوردة الكلفة الأكبر. اما إذا تم ضرب محطات توليد الطاقة الكهربائية في المنطقة، فستكون الكارثة، حيث تتحول الطاقة منعنصر استقرار ومحرك للنمو إلى مصدر ضغط اقتصادي واجتماعي.
وفي محاولة للالتفاف على هذه المخاطر، كان من المف
في قلب المشهد، تقف الصين بوصفها نقطة الارتكاز الأخطر. فهي المحركالرئيسي للطلب العالمي، وتستورد أكثر من 11 مليون برميل نفط يوميًا، يأتيجزء كبير منها من الخليج. فأي اضطراب في هذه المنطقة لا يهدد الصينوحدها، بل يهدد الاقتصاد العالمي بأسره. ورغم محاولات التنويع، تبقى البدائلمحدودة على المدى القصير، بفعل تعقيدات البنية التحتية وطبيعة الطلبالصناعي. الصين قد تتحمل الأسعار المرتفعة، لكنها لا تتحمل انقطاعالإمدادات، لأن ذلك يعني تباطؤًا صناعيًا وتعطلًا في سلاسل التوريد العالمية.وهنا تتجلى حقيقة جيوسياسية عميقة، استقرار الطاقة في الصين لم يعد شأنًاوطنيًا، بل شرطًا لاستقرار الاقتصاد العالمي.
أما السيناريو الأكثر خطورة، فيكمن في الخليج العربي. أي إغلاق، ولو مؤقت،أو فقدان للسيطرة، قد يدفع العالم إلى أخطر أزمة طاقة في تاريخه الحديث،تتجاوز ارتفاع الأسعار إلى فقدان التوازن وإعادة تعريف
 ترض أن يشكل البحرالأحمر مسارًا بديلًا، لكنه تحول بدوره إلى ساحة تهديد، ما أدى إلى ارتفاعغير مسبوق في كلفة الشحن واضطراب مسارات التجارة. النتيجة، لا ممر آمن،ولا بديل مضمون.
في الأطراف، تتراكم أزمات موازية. إفريقيا تعاني من اضطرابات تعيق الإنتاجرغم امتلاكها نحو 10% من الاحتياطات العالمية النفطية، وفنزويلا تعمل دونطاقتها بفعل السياسات، بينما يتحول القطب الشمالي وبحر الشمال وغرينلاندإلى ساحات تنافس جديدة. الحقيقة الصادمة أن العالم لا يعاني نقصًا فيالموارد، بل فشلًا في إدارتها.
أمام هذا المشهد، تبدو أوروبا الأكثر انكشافًا، بينما يواجه الشرق الأوسطمفارقة قاسية، وفرة في الموارد مقابل هشاشة جيوسياسية. الفرص قائمة، لكنالمخاطر تتسارع بوتيرة أعلى.
في هذا السياق، يقف الأردن في موقع حساس بين الجغرافيا السياسيةوالاقتصاد. فهو ليس منتجًا للطاقة التقليدية، لكنه في قلب معادلتها دون أنيمتلك أدوات التأثير فيها. اعتماده الكبير على الاستيراد يجعله عرضة مباشرةلأي صدمة في الأسعار أو الإمدادات، ما يحول الطاقة إلى قضية أمن وطني لامجرد ملف اقتصادي.
رؤية الملك عبد الله الثاني جاءت مبكرة وواضحة، تنويع المصادر، وتعزيز الطاقةالمتجددة وتسهيل الاستثمار فيها، وتقليل الاعتماد الخارجي. وهي رؤية تعكسإدراكًا بأن الطاقة لم تعد قطاعًا اقتصاديًا، بل عنصرًا مركزيًا في الأمنالوطني. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الرؤية، بل في التنفيذ، حيثتظهر فجوة واضحة بين الخطط والواقع.
فالواقع يكشف مفارقات واضحة. حقل حمزة النفطي، الذي رُوِّج له كرمزللإنتاج بعد الانتهاء من إعادة التأهيل (انتهت منذ سنوات)، بقي خارج المعادلةبإنتاج لم يتجاوز 3000 برميل خلال الثلث الأخير من عام 2025.  
 التحول لا يعني الاكتفاء الذاتي، بل بناء قدرة عالية علىإدارة المخاطر وتقليل الانكشاف إلى أدنى حد.
وإذا كان هذا تسونامي الطاقة، قد كشف حدود القوة الاقتصادية، فإنه فيجوهره عرّى وهماً أكبر، أن العالم يمكن أن يستقر في ظل صراعات مفتوحة. الحقيقة الأكثر قسوة أن كل برميل نفط مهدد، وكل خط غاز معرض للابتزاز، هوانعكاس مباشر لفشل سياسي لا تقني. 
لكن السيناريو الأخطر لم يقع بعد، بل يلوح في الأفق، لحظة تتحول فيهامنشآت الطاقة نفسها إل
اما، حقل الريشة، قد شكل الأمل الأكبر. فالتقديرات المتفائلة رُوِّج لها باعتبارهانقطة تحول محتملة نحو الاكتفاء الذاتي من الغاز. حيث تصبح التوقعات غيرالمستقرة التي تنشر في الاعلام، عن الاحتياطيات والإنتاج، وتباين الخططالزمنية لرفع الإنتاج، والتذبذب بالأرقام المعلنة، وغياب الوضوح الاقتصادي، والثبات في الخطط قصيرة وطويلة المدى (رغم تحمل الخزينة 87 مليون دينار)، لا يعكس فقط تحديات فنية، بل يكشف خللًا أعمق في إدارة ملف الطاقة.
في المقابل، يستورد الأردن أكثر من 90% من احتياجاته من الطاقة، ما يجعلهفي قلب المخاطر. ورغم التقدم في الطاقة المتجددة، إلا أن تحديات التخزينواستقرار الشبكة تعني أن النجاح تحقق في الإنتاج، دون أن يكتمل فيالإدارة.
أن جوهر المشكلة ليس في ندرة الموارد، بل في غياب إطار استراتيجيمتماسك. التعدد المؤسسي، وتذبذب السياسات، والفجوة بين الإعلان والتنفيذ،كلها تعيق بناء منظومة طاقة متكاملة، وتكرّس إدارة قائمة على ردود الفعل.
الأردن قد لا يكون دولة نفطية، لكنه قادر أن يكون دولة ذكية في إدارة الطاقة،عبر بناء منظومة مرنة تقلل الانكشاف وتعزز القدرة على الصمود في وجهالصدمات الجيوسياسية.
العالم يدخل اليوم عصر "الطاقة غير المستقرة"، حيث لا تكفي الموارد ولاالاتفاقيات، بل تصبح القدرة على الإدارة هي العامل الحاسم. ولم تعد النجاةللأقوى فقط، بل للأكثر قدرة على التكيف.
اليوم، والجغرافيا تعود بقوة، ولم تعد المعادلة، من يملك الطاقة؟ بل من يستطيعتأمينها وإدارة مخاطرها، وهنا يتحدد مستقبل الدول.
أمام هذا الواقع، تبرز ثلاثة مسارات، الاستمرار في الانكشاف، أو التكيفالجزئي، أو التحول الاستراتيجي نحو منظومة طاقة متكاملة تقلل المخاطروتعزز الصمود. وهذ
اى أهداف مباشرة في معادلة الصراع. عندها، لنيكون الحديث عن اضطراب في الأسواق، بل عن انهيار منظم في بنيةالاقتصاد العالمي، وسقوط آخر أوهام الاستقرار، ويدفع العالم إلى اقتصادالصدمة المفتوحة. عندها قد لا تعود بعض الدول قادرة على الاحتواء.
في تلك اللحظة، لن يكون السؤال كم يبلغ سعر البرميل، بل الى متى سيعود التدفق لتعود معادلة التسعير؟ وفي الحالة التشاؤمية، هل سيبقى تدفق يمكنتسعيره أصلًا؟ وهل يستطيع الاقتصاد العالمي الصمود أمام انقطاع مفاجئفي شرايينه الحيوية؟
هنا، تتحول الطاقة من ورقة ضغط إلى أداة كسر شامل، ويتحوّل الاقتصادالعالمي من نظام مترابط إلى منظومة ارتباك وفوضى.
الأخطر أن هذا المسار لا يُدار بعقل سياسي اقتصادي، بل بمنطق الردعوالتصعيد، حيث تتحول حماية مصادر الطاقة إلى مبرر لتوسيع الصراعات. ومع كل ضربة، تتآكل الثقة في النظام الدولي، وتُعاد صياغة العلاقات بينالدول على قاعدة واحدة، من يستطيع حماية إمداداته.
الخروج من هذه الفوضى لن يأتي من زيادة الإنتاج، بل من قرار سياسي يعيدتعريف قواعد اللعبة، التهدئة بدل التصعيد، والدبلوماسية بدل حافة الهاوية.دون ذلك، سيبقى العالم يدور في حلقة مفرغة، تتآكل فيها الاقتصادات، ويتعمقالعجز عن إنتاج استقرار حقيقي.
ورغم كلفة التصعيد في المنطقة، بما في ذلك الاعتداءات الإيرانية، التي طالتأراضي الأردن والسعودية ودول الخليج، إلا أن المفارقة التي قد يتجاهلهاكثيرون هي أن مفتاح الخروج الدبلوماسي من الأزمة قد يكون من داخل المنطقة، لا من خارجها. 
اليوم، لم تعد القوة اليوم لمن يملك الموارد، بل لمن يملك القدرة على حمايتها منالتحول إلى وقود للفوضى. ففي لحظة تتحول فيها منشآت الطاقة إلى هدفعسكري، وتقترب فيها المنطقة من حافة الانفجار بشكل غير مسبوق، تغدوالتهدئة فعل قوة، وتصبح القوة في فتح قنوات الحوار، قوة استراتيجية، تفوق قوة الموارد.
العالم يقترب من لحظة اختبار قاسٍ، إما إعادة صياغة قواعد الاشتباك، أوالانزلاق إلى واقع تصبح فيه منشآت الطاقة أهدافًا مشروعة بشكل دائم، بمايعنيه ذلك من انهيار تدريجي لقواعد الاستقرار الدولي.
وهنا تبرز أهمية الأردن، لا كدولة نفطية، بل كدولة تمتلك رصيدًا سياسيًاواستراتيجيًا نادرًا في لحظة إقليمية مضطربة. بقيادته الهاشمية، وشرعيتها الدينية والتاريخية، يقدم نموذجًا قائمًا على العقلانية في زمن الانفعال، والتوازنفي زمن الاستقطاب، والقدرة على الانخراط دون الانزلاق، وبناء الجسور حينتتساقط خطوط الاتصال بين مختلف القوى. وهنا، لا يكون الأردن مجرد متلقٍلتداعيات تسونامي الطاقة، بل فاعلًا محتملًا في كبحه.
المعادلة تغيّرت، ولم يعد السؤال من يملك او يسيطر على الموارد، بل من يملكشجاعة إطفاء الحرائق قبل أن تلتهم الجميع.