الإدارة المحلية على أعتاب مرحلة جديدة
دخل ملف الإدارة المحلية في الأردن مرحلة متقدمة من إعادة التشكّل، مع ترقب إقرار قانون الإدارة المحلية الجديد، الذي يُنتظر أن يحدد ملامح المرحلة المقبلة، سواء من حيث هيكلية المجالس المحلية أو آليات انتخابها وصلاحياتها.
ومع اتساع الفاصل الزمني منذ قرار حلّ المجالس البلدية ومجالس المحافظات وتشكيل لجان مؤقتة لإدارتها، يتحول النقاش تدريجياً من تقييم القرار بحد ذاته إلى استشراف المرحلة القادمة، خصوصاً في ظل مؤشرات رسمية متكررة على قرب إنجاز الإطار التشريعي الناظم.
وكان قرار حلّ المجالس قد جاء في سياق إعادة تقييم تجربة الإدارة المحلية، تمهيداً لإعادة بنائها وفق مخرجات لجنة تحديث المنظومة السياسية، وهو ما يضع المرحلة الحالية في إطار انتقالي مؤقت، يُفترض أن يُستكمل بإقرار القانون الجديد والذهاب إلى انتخابات محلية وفق قواعد محدثة.
وتشير القراءة العامة للمشهد إلى أن التعديلات المرتقبة تأتي استجابة لتراكمات عمل البلديات وتجربة اللامركزية التي انطلقت عام 2017، وهو العام الذي شهد إجراء انتخابات لأكثر من 100 مجلس بلدي و12 مجلس محافظة، وأفرزت مشاركة واسعة في إدارة الشأن المحلي، لكنها في الوقت ذاته كشفت عن تحديات تنظيمية وإدارية تستدعي المعالجة.
مسار القانون الجديد
تتجه الأنظار حالياً إلى مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد، وسط توقعات بأن يشهد نقاشاً نيابياً خلال المرحلة المقبلة، في ضوء تصريحات رسمية أشارت إلى اقتراب إقراره من مجلس الوزراء وإحالته إلى مجلس النواب.
النائب الدكتور حسين العموش يرى أن مشروع قانون الإدارة المحلية لن يُعرض خلال الدورة البرلمانية الحالية، مؤكداً أنه يمتلك معلومات موثقة بأنه لن تتم الدعوة لدورة استثنائية هذا الصيف، ما يعني ترحيل مناقشة القانون إلى شهر تشرين الثاني أو كانون الأول المقبل.
وقال العموش إن الحديث عن التحضير لانتخابات هذا العام لا ينسجم مع الواقع الذي يشير إلى ضيق الوقت الذي سيدفع الى تأجيل الانتخابات حتى منتصف العام المقبل، ما يعني استمرار عمل اللجان المؤقتة لمدة قد تصل إلى سنتين.
حديث النائب العموش هذا يتناقض مع تصريحات متتابعة لوزير الإدارة المحلية المهندس وليد المصري، الذي توقع في آخر تصريح له حول القانون أن يقر من مجلس الوزراء قبل انتهاء شهر رمضان المبارك بحيث يرسل إلى مجلس النواب في الأسبوع الأول بعد انتهاء عطلة عيد الفطر المقبلة.
الموعد الجديد الذي حدده الوزير المصري، يفتح الباب أمام إدراج القانون على جدول أعمال الدورة العادية الحالية لمجلس الأمة والتي تنتهي في السابع والعشرين من نيسان المقبل، وهي فترة كافية لقراءة القانون ومناقشته وطرحه للتصويت خصوصا إذا طلبت الحكومة منحه صفة الاستعجال.
وفق هذا السيناريو – وهو إقرار القانون في الدورة العادية الحالية - فإن انتخابات المجالس البلدية ومجالس المحافظات ستجرى في الفترة الممتدة من صيف العام الجاري إلى بدايات فصل الشتاء، أي بين أيلول وكانون الأول المقبلين.
وأكدت الهيئة المستقلة للانتخاب في تصريح سابق لـ»الدستور» أن إجراء الانتخابات البلدية مرهون بقرار من مجلس الوزراء، حيث يتم التنسيب من وزير الإدارة المحلية ويُتخذ قرار حكومي بإجراء الانتخابات، وتتولى الهيئة تنفيذها، وأشارت إلى أنه لا يوجد حتى الآن قانون جديد لإجراء الانتخابات بموجبه، وأنه إلى حين الانتهاء من إعداد قانون الإدارة المحلية، لا يمكن البدء بخطوات عملية لإجراء الانتخابات.
وكان رئيس مجلس مفوضي الهيئة المستقلة للانتخاب، المهندس موسى المعايطة، قد بين أن الهيئة، عند تلقيها طلباً رسمياً من الحكومة لإجراء انتخابات بلدية أو محلية، تحدد موعدها خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر من تاريخ الطلب وفقاً لما ينص عليه القانون.
ويُعد إقرار القانون محطة مفصلية في مسار الإدارة المحلية، إذ سيحدد الإطار الزمني لإجراء الانتخابات، وآلية تنظيمها، وشكل المجالس المقبلة.
وفي هذا السياق، تؤكد الهيئة المستقلة للانتخاب أن إجراء الانتخابات البلدية والمحلية يرتبط بصدور القانون الجديد وصدور قرار من مجلس الوزراء، بناءً على تنسيب وزير الإدارة المحلية، على أن يتم تحديد موعد الانتخابات خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر من تاريخ القرار.
هذه المعطيات تشير إلى أن المرحلة الحالية تمثل حلقة انتقالية بانتظار اكتمال المسار التشريعي، بما يضمن إجراء الانتخابات ضمن بيئة قانونية واضحة، ويحد من أي إرباك إداري أو تنظيمي.
تعديلات قانونية متوقعة
في المقابل، تشير مخرجات لجنة تحديث المنظومة السياسية إلى مجموعة من التوصيات المرتبطة بتطوير الإدارة المحلية والتشريعات البلدية، والتي يُتوقع أن تنعكس على النسخة المرتقبة من قانون الإدارة المحلية الجديد.
ومن أبرز هذه التعديلات إعادة تنظيم العلاقة بين مستويات الإدارة المحلية المختلفة، بما يقلل من تداخل الصلاحيات الذي ظهر خلال تطبيق تجربة اللامركزية خلال السنوات الماضية.
وعلى الرغم من توصيات لجنة التحديث فإنه لن يتم تعديل آلية انتخاب رؤساء البلديات، حيث سيبقى الانتخاب المباشر هو السبيل لاختيار رؤساء البلديات. وكانت اللجنة قد أوصت بانتخاب الرؤساء من داخل المجالس البلدية، بدلاً من الانتخاب المباشر، بهدف تعزيز العمل المؤسسي داخل المجالس، وتقليل النزعة الفردية في إدارة البلديات.
وتتجه التعديلات المقترحة كذلك إلى وضع معايير محددة للترشح لبعض المناصب القيادية في المجالس المحلية، من بينها اشتراط حد أدنى من المؤهل العلمي والخبرة، بما يسهم في رفع كفاءة الإدارة المحلية وتحسين قدرتها على إدارة المشاريع التنموية والخدمية.
كما تتضمن المقترحات تعزيز مشاركة المرأة في الإدارة المحلية من خلال تطوير آليات التمثيل النسائي داخل المجالس البلدية والمحلية، حيث يتوقع زيادة نسبة تمثيل المرأة في المجالس من 25 % الى 30 %، واستحداث موقع مساعد رئيس البلدية وتخصيصه للمرأة.
ومن المنتظر أن يتضمن القانون الجديد بنودا حول التطوير المؤسسي والإداري، بهدف تحسين أوجه الإنفاق المالي، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الأئتمتة، وإطلاق منصة لخدمات البلديات، وتعزيز التنمية الاقتصادية المحلية، وزيادة وتيرة الاستثمار وتهيئة البنية الادارية والتحتية المحفزة للاستثمار.
كما يتوقع أن يعيد القانون الجديد استحداث المجالس المحلية، بعد أن ألغيت بموجب القانون الحالي، حيث بررت لجنة التحديث السياسي ذلك بأن «المجلس المحلي يمثل الوحدةَ الأساسية الأولى في هياكل الإدارة المحلية، وهو الأكثر تماسا بالمواطنين، وقربا منهم، ومن حياتهم اليومية، والأكثر معرفةً باحتياجاتهم، وتحديدا في مجالات الخدمات الأساسية».
تجارب عربية ودولية
التحديات التي واجهت تجربة الإدارة المحلية في الأردن ليست معزولة، إذ مرت بها العديد من الدول التي سعت إلى تطوير أنظمة الحكم المحلي.
في فرنسا، تُدار البلديات من خلال رؤساء منتخبين من داخل المجالس البلدية، وهو نموذج يعزز العمل الجماعي داخل المجلس، ويحد من تركّز الصلاحيات.
أما في تركيا، فقد شهدت الإدارة المحلية إصلاحات واسعة شملت دمج بعض البلديات وتوسيع صلاحيات البلديات الكبرى، ما ساهم في تحسين كفاءة الخدمات وتقليل التشتت الإداري.
وعلى المستوى العربي، اعتمد المغرب نموذج «الجهوية المتقدمة» الذي منح المجالس المحلية صلاحيات أوسع في التخطيط التنموي، فيما اتجهت دول أخرى إلى الاستثمار في التحول الرقمي وإدارة المدن الذكية، بما يعزز جودة الخدمات وكفاءة الإدارة.
ويرى مختصون أن الاستفادة من هذه التجارب يمكن أن تسهم في صياغة نموذج أردني متوازن، يجمع بين التمثيل الديمقراطي والكفاءة الإدارية والاستدامة المالية.
أصوات من داخل التجربة
من جانبها، تؤكد المهندسة قمر النابلسي، عضو مجلس أمانة عمان الكبرى السابق، أهمية أن تُستكمل المرحلة الانتقالية ضمن إطار زمني واضح، بما يعزز استقرار العمل المحلي ويحافظ على مستوى المشاركة المجتمعية.
وتشير إلى أن وجود إطار تشريعي حديث سيسهم في تمكين المجالس المقبلة من أداء دورها بكفاءة أعلى، خاصة في ظل التحديات التنموية والخدمية المتزايدة.
بدوره، يرى رئيس بلدية الرصيفة السابق شادي الزيناتي أن المرحلة الحالية تمثل فرصة لإعادة بناء منظومة الإدارة المحلية على أسس أكثر وضوحاً، مشدداً على أن نجاح هذه المرحلة يرتبط بسرعة إقرار القانون، وتحديد موعد واضح للانتخابات.
ويؤكد أن وضوح الصلاحيات وتعزيز الاستقلال المالي والإداري للبلديات سيشكلان عاملين حاسمين في رفع كفاءة العمل البلدي وتحسين مستوى الخدمات.
الإصلاح في سياقه الأوسع
في المقابل، ترى الدكتورة أماني شديفات أن السعي نحو تعديل تشريعات الإدارة المحلية يشكّل خطوة مفصلية في مسار الإصلاح الإداري والسياسي، مؤكدةً أن قرار حل المجالس البلدية ومجالس المحافظات لم يكن مجرد إجراء تنظيمي بل مؤشر على استعداد الدولة لإعادة تقييم تجربة اللامركزية بعد أكثر من دورة انتخابية.
وتشير، في مقالة صحفية منشورة سابقا، إلى أن تحديث الإدارة المحلية جزء من حزمة إصلاحات أوسع تشمل تطوير الخدمة المدنية والتحول الرقمي وتعزيز المشاركة السياسية.
التوجيهات الملكية.. إطار ناظم
وكان جلالة الملك عبدالله الثاني قد شدد في كتاب التكليف السامي لحكومة الدكتور جعفر حسان على ضرورة الإعداد للانتخابات المحلية القادمة، ومراجعة التشريعات المتعلقة بها، لتمكين هياكل الإدارة المحلية من أداء دورها التنموي والخدمي بكفاءة، وتطوير أدوات الرقابة والمساءلة، وبناء قدرات أعضائها وموظفيها، ومواكبة مشروع التحول الرقمي.
وأكد جلالته أهمية تمكين المواطنين من المشاركة في تحديد أولوياتهم التنموية على المستوى المحلي ومواءمتها مع رؤية التحديث الاقتصادي، بما يضمن توزيعاً عادلاً لمكتسبات التنمية.
من جهته، أكد رئيس الوزراء في رده على كتاب التكليف أن حكومته ستباشر دراسة التشريعات المتعلقة بالإدارة المحلية استناداً إلى مخرجات لجنة التحديث السياسي، تمهيداً لانتخابات المجالس البلدية ومجالس المحافظات، لما لهذه المجالس من دور أساسي في تحسين الخدمات وتلبية احتياجات المواطنين.
بين استكمال التشريع والانطلاق نحو الانتخابات
في ضوء ما سبق، يقف ملف الإدارة المحلية اليوم عند مفترق طرق، عنوانه الانتقال من المرحلة الانتقالية إلى الاستقرار التشريعي والمؤسسي.
فمع اقتراب إقرار قانون الإدارة المحلية، تتزايد التوقعات بوضوح ملامح المرحلة المقبلة، سواء من حيث شكل المجالس أو موعد الانتخابات، بما يعيد تفعيل دور المجالس المنتخبة في إدارة الشأن المحلي.
وبين استحقاق إنجاز القانون ومتطلبات تنفيذ الانتخابات، يبقى التحدي في تحقيق توازن بين سرعة الإنجاز وجودة التشريع، بما يضمن بناء نموذج حكم محلي فاعل، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين، وتعزيز دور البلديات كشريك رئيسي في التنمية.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة حاسمة في رسم مستقبل الإدارة المحلية في الأردن، مع آمال بأن يشكل القانون الجديد نقطة انطلاق نحو تجربة أكثر نضجاً واستقراراً.
الدستور