سوق الحرامية.. كنز عمان القديم
في وسط العاصمة «عمان» نمضي بخطى حالمة، ونقف نتأمل الأماكن والأسواق التراثية ليصيبنا الحنين للعودة إلى الماضي التليد، ونستنشق عبق عمان القديمة زمان، التي لا تزال أسواقها تتشبث بإرثها وتقاليدها ومقتنياتها وادواتها التراثية، وتقرأ في جدرانها تاريخا طويلا وسنوات عديدة وهي توزع بضائعها على وجهاء وفقراء المدينة على حد سواء..
في وسط البلد، يظهر أمامك على ناصية سوق الخضار حفرة منخفضة عن سطح الرصيف، في تفرعات نهاية شارع طلال المؤدية الى الشارع الموازي «سقف السيل» وسط البلد، وهو عبارة عن سوق صغير، لا يزال يحتفظ بأسراره، عُرف جزافا بإسم «سوق الحرامية» لكن الإسم الرسمي له «سوق خان الخليلي»، وتنزل إليه ببضع درجات للأسفل، ويضم نحو (25) محلا صغيرا تتنوع فيها البضائع، لكن جميعها «مستعملة» حيث تجد الخردوات وصوبات الكهرباء والغاز والكاز والمراوح الكهربائية وخلاطات المولينكس الأصلية والمكانس الكهربائية والتلفزيونات القديمة وبوابير الكاز وافران الغاز والأدوات الصحية وبعض النحاسيات والتحف الشرقية وربما تعثر على صوبة الكاز الإنجليزية العريقة ماركة «علاء الدين»..!.
هذا السوق الكرنفالي ورغم ان تسميته بـ»سوق الحرامية» إلا ان التسمية لا تدل أبدا على الواقع، كون المحال فيه تشتري الأدوات البالية والمستخدمة «نص عُمر» وتعيد تصليحها وبيعها مجددا، كذلك يقوم «سريحة الحاويات» ممن إمتهنوا «التنبيش» في حاويات غرب عمان، الباحثين عما يمكن إعادة تدويره بيعًا وإستخدامًا، من الأشياء التي تخلى عنها أصحابها وألقوا بها في حاويات النفايات، وشريحة جامعي الخردة والأدوات والمواد المستعملة، الذين يتجولون علنًا في سيارات «بيك أب»، في العادة ينادون عبر مكبرات الصوت، بحثًا عن تلك المواد التي يشترونها، ومن ثم يقومون ببيعها الى أصحاب المحال المنتشرة في أروقة «سوق الحرامية»، مقابل سعر يخضع في العادة لتفاوض ماراثوني قاسٍ..
أمام ذلك.. فإن تجار هذا السوق إمتهنوا ايضا تصليح كافة الأدوات بلا أي إستثناء بحثا عن رزقهم من هذه المهن الشريفة، خاصة وان السوق يشهد رواجا وإنتعاشا إقتصاديا في فصل الشتاء، نظرا لاقبال الناس على شراء الصوبات الغاز والكاز والكهرباء، او تصليح الصوبات الموجودة عندهم في الأساس وإجراء الصيانة اللازمة لها، مثل تركيب «الفتايل» إستعدادا لفصل الشتاء.
إذن.. السوق تراثي بإمتياز وتحرص على زيارته في أحيان كثيرة المجموعات السياحية الأجنبية التي تزور عمان القديمة، وتلتقط الصور التذكارية في أرجاء السوق العابق برائحة الزمن ومهن إنقرضت، إلا من هذا السوق، الذي ينزوي في ارجائه بوفيه صغير مختص بتأمين إحتياجات العاملين في السوق من القهوة والشاي وكافة المشروبات الساخنة، ضمن طقوس جميلة للزائرين لسوق الحرامية، بحثا عن شراء مستلزمات مستعملة بأقل التكاليف، أو ليبيع فيه المحتاج لأقل قدر من المال..!
على كل حال.. «سوق الحرامية»، وهو إسم على غير مسمى، ففيه أفضل ممارسات الأمان والطمانينة، يكفي ان يغادر صاحب المحل ويترك بضاعته معروضة، وسوف يضمن الزملاء في المحال المجاورة ذلك، وقد يبيعون معروضاته ويعطوه ثمن ما تم بيعه بالتمام والكمال.. ودون أي نقصان..!