الدغمي يكتب لجفرا نيوز : التعديلات الدستورية ... والإصلاح المتدرج
السبت-2014-08-16 01:52 pm

جفرا نيوز -
جفرا نيوز - المحامي عبد الكريم الدغمي
عندما كنّا نقول في وقت الحراك ، بأننا لا نريد للإصلاح أن يكون قفزات في المجهول ، قد لا تؤدي إلى النتائج المرجوة من الإصلاح ، كانوا يقولون عنّا أننا " قوى شدّ عكسي " !!
وعندما كنّا نقول أن الإصلاح يأتي بالتدريج ، وأن جلالة الملك هو الذي يقود عملية الإصلاح في البلد ، وأنه الرائد المستلهم لرغبات شعبه كانوا يقولون عنّا أننا رجعيون !
وها هو الإصلاح يأتي متدرجاً ، ومن أهله ، فجلاله الملك عندما يذكر أكثر من مرة ، أنه يريد للحكومات أن تكون برلمانية لتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في الحكم وإدارة مرافق الدولة ، كان يقصده فعلاً ، ولم تكن أمنيات رومانسية ، وإنما كان جلالته يتوجه نحو الإصلاح بطريقة رجل الدولة القائد ، وليس بالطرق الغوغائية والديماغوجية والإستعراضات المزيفة ، وتعليمات السفارات التي يتلقاها البعض كما هي ،
المهم أن هذه التعديلات المقترحة على الدستور ، تحمل أكثر من بُعد ، فهي تعديلات تقدميه ، تعني إبعاد منصبي رئيس هيئة الأركان ( قائد الجيش ) ومدير المخابرات العامة عن التجاذبات السياسية ، في حال وجود حكومات حزبية أو برلمانية لأن هناك سيكون أقلية وأكثرية وسيكون هناك عملية شد وإختلاف وربما مناكفات بين الأكثرية والأقلية ، وقد يصبح هذين المنصبين عرضة لهذه الإختلافات والمناكفات ، على أهمية المنصبين كما يتفق الجميع ، وهذا بدوره سيؤدي إلى خلل في موقعين هامين من مواقع الدولة ، وهما في كل العالم بعيدان عن هذه التجاذبات والإختلافات ، وجلالة الملك هو رأس السلطات وخصوصاً التنفيذية ، فلا حرج من إعطائه حق تعيينهما دون الرجوع إلى مجلس الوزراء .
وإذا قال قائل أن الملك في الدستور يمارس صلاحياته بموجب إرادة ملكية موقعة من رئيس الوزراء والوزير أو الوزراء المختصين ، فنرد عليهم بأن الدستور هو الذي يمنح الحقوق للملك ولسلطات الدولة كافة ، فما هو المانع إذا جاء المشرع الدستوري ، وعدّل النص الوارد في المادة 40 من الدستور ، وإستثنى هذا الموضوع من النص الذي يقيّد الملك بضرورة الرجوع في كل شيء لمجلس الوزراء ؟
أليس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة ، كما نص على ذلك الدستور في أكثر من مادة ؟هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإن المادة 45 من الدستور ، التي جعلت الولاية العامة لمجلس الوزراء قد ذكرت إستثناءً في نصها يقول ، بإستثناء ما قد عهد أو يعهد به من تلك الشؤون بموجب هذا الدستور ، أو أي قانون إلى أي شخص أو هيئة آخرى .
هذا إستثناء واضح وموجود تاريخياً في دستورنا العتيد ، فلا مانع قانوني بهذا الشأن ، إضافة إلى الأسباب السياسية التي ذكرناها في بداية حديثنا هذا .
يضاف إلى كل ذلك ، أننا بالتأكيد نقرأ فكر جلالة الملك ، بأننا متجهون فعلاً للحكومات البرلمانية ، ربما في البرلمان المقبل ، وإن مسيرة الإصلاح مستمرة وبالتدريج الذي ينسجم مع المعطيات والظروف السياسية الداخلية والإقليمة والدولية .
وبالنسبة لرسالة جلالة الملك إلى رئيس الوزراء لتفعيل دور وزارة الدفاع ، فهو خطوة إصلاحية بإمتياز ، ذلك أن المؤسسات التابعة للقوات المسلحة ، والتي مهماتها غير عسكرية إحترافية ، مثل المؤسسة الإستهلاكية والخدمات الطبية ، والشركات الإستثنمارية ، وغيرها من ذلك النوع من المؤسسات ، فهي يجب أن تبتعد إدارتها عن قيادة الجيش التي عليها أن تعمل بما هو أهم من هذه الأمور ، وهي الدفاع وحماية أمن البلد ، ويجب أن لا يصرف وقت القيادة العامة على أمور غير الإحتراف العسكري ، وعليه فإن تفعيل دور هذه الوزارة جاء في محله ، والتي ستتولى كل هذه المهام ، ونبارك هذه الخطوة ، والتي لا تحتاج إلى أي تعديل في الدستور.
أما بخصوص التعديل الأخر على الهيئة المستقلة والنص على إشرافها على إنتخابات البلديات ، وأية إنتخابات آخرى ، فهو لتعزيز الشفافية والنزاهة في أية إنتخابات قادمة ، وليبتعد المجتمع عن التشكيك في نزاهة الإنتخابات ، ذلك أن الهيئة لا تخضع لأية سلطة من سلطات الدولة ، ولا يهيمن عليها أحد ، وتستمد قوتها وسلطاتها من الدستور .
وأخيراً وليس أخراً ، فإن التشكيك لا يبني أوطاناً ، بل أن الإرادة والعزيمة والإيمان هي العوامل التي تقوم على إنجاح عملية الإصلاح في الوطن .

