اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

الأردن بلد التآخي.. وحدةٌ لا يُضعفها الجرح، وقيادةٌ تجمع ولا تفرّق

بلدٌ عرفه الناس بالتآخي

الإثنين-2026-10-26 12:46 pm
جفرا نيوز -
بقلم: حامد النبابته

منذ عرف الناس الأردن عرفوه بلداً يفتح بابه ويقتسم رغيفه، يجاور فيه المسجدُ الكنيسةَ، وتحتفي العشيرةُ بجارها المسيحي كما تحتفي بابنها، ويُفتح البيت للضيف والغريب قبل أن يُسأل عن اسمه أو دينه. وهذا ليس كلاماً يُقال في المناسبات، بل طبعٌ ترسّخ في الأرض عبر أجيال.
ومن هذا المقام نقرأ ما جرى في الكرك. فالحادثة الأليمة التي استهدفت مشيّعين عند كنيسة حمود أثناء جنازة جرحٌ في قلب الوطن، لكنها طارئة على طبعه، غريبة عن روحه، ولن تضعف وحدة الأردنيين. والسؤال ليس: هل سيصمد الأردن؟ فالجواب معروف، بل: كيف نحوّل هذه اللحظة إلى مزيد من القرب والمتانة، وكيف نجعل من وحدتنا مشروعاً دائماً نحميه ونقدّمه نموذجاً؟
جذور التآخي

للتآخي الأردني جذور متعددة لا تُختزل في عامل واحد. فالأرض والتاريخ علّما أهلها أن العيش على مفترق الطرق يورث الانفتاح والكرم. والدين والقيم في الإسلام والمسيحية معاً تدعو إلى الرحمة وإكرام الجار وصون الحرمات، وقد عاشها الأردنيون فرحاً مشتركاً وعزاءً مشتركاً وحماية متبادلة عند الشدة. وللعشيرة أعرافها من الجاهة والعطوة والنخوة،. أما الجذر الرابع الذي يشدّ الجذور كلها فهو القيادة الهاشمية. وحين تتعدد الجذور يصعب على أي ريح عابرة أن تقتلع الشجرة.

القيادة الهاشمية: مرجعية تجمع ولا تفرّق
في ساعات الجرح يلتفت الأردنيون إلى مرجعية لا يختلفون عليها. فالقيادة الهاشمية ليست طرفاً بين أطراف، بل المظلة التي يقف تحتها المسلم والمسيحي، ابن المدينة وابن البادية والريف، من كل الأصول. وقد انعقد المجلس الأمني في الكرك نفسها بعد الحادثة، دلالةً على أن الدولة حاضرة بين الناس في لحظة الألم.
وتستمد هذه المرجعية مكانتها من إرث تاريخي ممتد نسباً إلى البيت النبوي، ثم بناء الدولة الأردنية ورعايتها جيلاً بعد جيل. ومن هذا الإرث الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، أمانةٌ ورثها الملك عبدالله الثاني عن أجداده،

رؤية تسبق الأزمات
من علامات القيادة الراسخة أنها تتحرك قبل أن تشتد العاصفة. فقد أطلق الملك عبدالله الثاني رسالة عمّان لتوضّح حقيقة الإسلام وترفض التكفير والإرهاب والعنف وتضبط مرجعية الفتوى.

تقوم الرؤية الهاشمية على أن الوطن بيت للجميع، وأن كرامة الأردني فوق أي انتماء فرعي. ومن هذا المنطلق تتجاوز الرعاية حدود الشعار.

من المستفيد؟ قراءة في الدلالة
حين يقع جرح بهذا الحجم يسأل الناس: من فعل؟ ومن المستفيد؟ فالأول من شأن التحقيق والقضاء، وقد أعلنت الجهات المختصة القبض على الجناة، وتبقى تفاصيل التحقيق والحكم للقضاء. أما الثاني فمجاله القراءة الاستراتيجية التي تميّز بين من نفّذ ومن استفاد ومن سيستثمر.
وللمستفيدين المحتملين أربع دوائر: الفكر التكفيري الذي يريد شرخاً طائفياً يجنّد من غضبه؛ ومن يضرّه استقرار الأردن ودوره ممراً آمناً للطاقة والتجارة والاستثمار؛ وصنّاع سردية الإقليم الطائفي الذين يجدون في الحادثة مادة جاهزة؛ والداخل نفسه إذا تحوّل الألم إلى احتقان ثم إلى تراشق وثقة مهزوزة. والكاسب الوحيد المؤكد هو من أراد للأردنيين أن يشكّوا في بعضهم، ولذلك فأبلغ جواب أن نحرمه ثمرة فعله.

المناعة الاجتماعية واليقظة
وقد جاء القبض على الجناة ليؤكد عزيمة الأمن الأردني وقوته، وهي قوة لا تعمل وحدها، بل مع كل أفراد المجتمع الذين وقفوا صفاً واحداً. فالقوى الحاقدة المتآمرة قد تُحدث جرحاً، لكنها لن تنال من وحدة الأردنيين ولا من عزيمتهم.
وللمجتمع جهاز مناعي هو شبكة الثقة التي تجعل أفراده يفترضون في بعضهم الخير، والإرهاب محاولة لضربها. فالأمن يحمينا من الجريمة، أما الثقة فتحمينا من الفتنة. واليقظة ليست ريبة في الجار، فالريبة في الجار هي ما يُراد لنا، بل وعيٌ بأن الاستقرار ثمرة جهد طويل، وتتجسد في وحدة الصف، ، والتعاون بين المواطن والأجهزة، وأمن وطني شامل يشمل المجتمعي والرقمي والاقتصادي والطاقي، ولا ينتهي بانتهاء الحدث.

جامعةٌ للصف العربي
لم يقف دور القيادة الهاشمية عند حدود الداخل الأردني، بل اتسع إلى الفضاء العربي والإسلامي امتداداً لروح الثورة العربية الأولى التي قامت على جمع كلمة العرب. فهي تحمل قضية القدس إلى العواصم العربية والإسلامية والعالمية، وتدعو إلى عمل عربي وإسلامي موحّد في حمايتها، وتؤدي دور الوسيط الهادئ الذي يقرّب المواقف ويحفظ الجسور. وفي إقليم تتنازعه الانقسامات يقدّم الأردن للعالم نموذجاً: بلد صغير المساحة كبير القيمة، يجمع أبناء الأديان والأصول في دولة قانون وقيادة جامعة، ويجعل من التآخي سياسة وطنية. فالدولة التي يجتمع شعبها تكسب ثقة جيرانها وشركائها.

الكرك كما عرفتها
أكتب عن الكرك عن معرفة لا عن سماع، فقد كان لي شرف المشاركة قبل عقود في إيصال الكهرباء إلى قراها وبلداتها، ومنها حمود،وجيرانٌ من كل دين يتقاسمون الفرح والعزاء كأنهم أسرة واحدة، وضيافةٌ أغنت أهلها قديماً عن الفندق،ووفاء بالعهد، لا اعتداء على آمن. ولهذا نقول إن ما جرى غريب عن الكرك، كما هو غريب عن الأردن كله. وقد ارتدّت الرسالة على من أرادها شراً، فوجد التحاماً.
من التعايش إلى شراكة المصير

أما ما يليق بالأردن فشراكة المصير: أن يشعر كل أردني أن أمن جاره أمنه، وأن الاعتداء على كنيسة اعتداءٌ على المسجد المجاور لها. وتقوم هذه الشراكة على ثلاثة أركان: الوجدان، بذاكرة مشتركة وهوية جامعة؛ والمصلحة، باقتصاد يجعل الجميع شركاء؛ والمؤسسة، بدولة عادلة وقادرة تحوّل التآخي من عاطفة جميلة إلى نظام يصمد. ومن مبادئ المجتمع الجامع: المواطنة قبل الانتماء الفرعي، والكرامة المتساوية، والمسؤولية المشتركة، والصدق مع الذات، والرحمة قبل الغلبه .

مسؤولية الكلمة والإعلام
في زمن المنصات الرقمية تنتشر الصورة قبل الخبر، وهنا يتحمل كل مواطن حصته: ألا ينقل خبراً لم يتثبت منه، وألا يعمّم الجريمة على جماعة، وألا يردّ على الفتنة بفتنة. ومن يكتب كلمة مواساة، أو يزور أسرة مكلومة، أو يدافع عن جاره، فهو يبني الوحدة بيده. وللإعلام مسؤولية خاصة: أن يسمّي الضحايا بأسمائهم وقصصهم لا بانتماءاتهم، وأن يبرز مشاهد التآزر، وأن يمنح مساحة للحكمة قبل الصخب، وأن يلتزم بالبيانات الرسمية حتى تكتمل الحقيقة.

أجيال التآخي: الشباب والمرأة والتعليم
التآخي ميراث يحتاج من يحمله، والشباب حملة الراية: يحتاجون إلى مساحات للحوار الصريح، وإلى فرص عمل تمنحهم الأمل، وإلى قدوات تعلّمهم أن الدين رحمة وأن الوطن بيت للجميع.وشريك أساسي في ترسيخ قيم الرحمة والتآزر أن التنوع غنى، وأن الاختلاف لا يفسد للودّ قضية.
خاتمة: عهد الأردنيين
جمعتنا هذه الأرض قبل أن تتشكل أي سياسة، وجمعتنا القيادة الهاشمية برسالتها وعدلها، وجمعنا الألم في جنازة واحدة كما جمعتنا الأفراح دوماً. وليس أمامنا سوى أن نكون على قدر هذا الإرث: أن نحمي بيتنا الواحد بالمحبة والعدل واليقظة، وأن نجعل من كل جرح عهداً جديداً على التآخي.
وليعلم كل حاقد أن الأردن، بأجهزته الأمنية وشعبه وقيادته، أقوى من كل محاولة للنيل من وحدته.
رحم الله من سقطوا، وشفى المصابين، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، وحفظ الأردن موحّداً متآخياً بقيادته الهاشمية وشعبه الأصيل.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير