جفرا نيوز -
كيف نترجم توجيهات جلالة الملك إلى واقع؟
محمد أبوسماقة
شهدت قرية حمود في محافظة الكرك، يوم الجمعة 23 تشرين الأول 2026، جريمة إرهابية بشعة، إثر هجوم مسلح استهدف مواطنين أثناء مراسم تشييع داخل كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس، وأسفر عن استشهاد تسعة مواطنين وإصابة العشرات، في حادثة أثارت موجة واسعة من الحزن والغضب والاستنكار في مختلف أنحاء الأردن.
إنه عمل إجرامي جبان وخسيس، لا يمت إلى أخلاق الأردنيين وقيمهم الأصيلة بصلة، ولا يعبر إلا عن مرتكبيه ومن يقفون خلفه. فالأردن الذي عرفناه وطنًا للتآخي والتسامح والعيش المشترك، أكبر من أن تنال منه رصاصات الغدر، وأقوى من أن تعبث بوحدته جماعات التطرف والكراهية.
وقد جاء موقف جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حازمًا وواضحًا، مؤكدًا أن أمن الأردنيين وسلامتهم خط أحمر، وأن الأردن سيضرب بيد من حديد كل من يحاول المساس بأمنه ووحدته الوطنية، وأن دماء الأردنيين لن تذهب هدرًا.
ولم تقتصر توجيهات جلالته على ملاحقة مرتكبي الجريمة ومحاسبة من يؤيدها أو يبررها وفق القانون، بل امتدت إلى جوهر القضية، حين وجّه الحكومة ومؤسسات الدولة إلى مراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف، وتجفيف منابعه ضمن خطة منهجية، بالتنسيق مع المرجعيات الدينية، إلى جانب مواجهة الشائعات والمعلومات المضللة وتعزيز الجاهزية الأمنية.
**وهنا يبرز السؤال الوطني الأهم: كيف نترجم توجيهات جلالة الملك إلى خطة وطنية حقيقية وشاملة لمواجهة الفكر الإرهابي المتطرف، وتجفيف منابع الفتنة والكراهية قبل أن تتحول الأفكار المسمومة إلى جرائم تستهدف أرواح الأبرياء؟**
إن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات الأمنية، على أهميتها وضرورتها، فالأجهزة الأمنية تستطيع ملاحقة المجرمين وإحباط مخططاتهم، لكن مواجهة الأفكار التي تصنع التطرف وتغذي الكراهية تحتاج إلى عمل وطني طويل النفس، تشارك فيه مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام والمرجعيات الدينية والمجتمع المدني.
وأعتقد أن الوقت قد حان لوضع **خطة وطنية متكاملة لمواجهة الفكر المتطرف ودعاة الفتنة والكراهية**، تتجاوز البيانات والمواقف الموسمية، وتتحول إلى برامج ومشروعات ملموسة، لها أهداف واضحة وموازنات محددة، وتخضع للمتابعة والتقييم.
وفي مقدمة الأدوات التي يمكن توظيفها لتحقيق هذه الغاية تأتي الثقافة والفنون، باعتبارهما من أقوى الأسلحة الفكرية والإنسانية في مواجهة التطرف.
فالدراما التلفزيونية والسينما والمسرح والموسيقى والأدب ليست مجرد وسائل للترفيه، بل أدوات مؤثرة في تشكيل الوعي والوجدان، وتكريس قيم المحبة والتسامح واحترام الآخر.
*إن مسلسلًا دراميًا ناجحًا قد يترك في وجدان المشاهد أثرًا أعمق من عشرات المحاضرات، ومشهدًا مسرحيًا صادقًا قد يهدم فكرة متطرفة عجزت الخطب عن تغييرها.*
ومن هنا، فإنني أدعو إلى إطلاق **برنامج وطني للإنتاج الفني والثقافي**، تشارك فيه وزارة الثقافة ومؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية والهيئة الملكية الأردنية للأفلام والمؤسسات الثقافية والفنية والقطاع الخاص، لإنتاج أعمال درامية وسينمائية ومسرحية تخاطب الشباب والمجتمع، وتكشف مخاطر التطرف وأساليب نشر الكراهية، وتبرز تاريخ التآخي الإسلامي المسيحي في الأردن، وتعزز قيم المواطنة والتسامح والعيش المشترك.
أما الإعلام الوطني، فعليه أن يؤدي دورًا يتجاوز التغطية الإخبارية والإدانة، إلى إنتاج برامج وثائقية وحوارية وتوعوية متخصصة، تستضيف المفكرين ورجال الدين والمثقفين والفنانين، وتواجه خطاب الكراهية بالحجة والمعرفة، وتقدم نماذج مشرقة من المجتمع الأردني.
ولا يمكن إغفال خطورة وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت إحدى ساحات انتشار الشائعات والأفكار المتطرفة؛ الأمر الذي يستدعي إنتاج محتوى رقمي إبداعي يخاطب الأجيال الجديدة بلغتها، ويستثمر قدرات الشباب أنفسهم في نشر ثقافة التسامح والمواطنة.
وأرى أن نجاح هذه الخطة يتطلب تشكيل إطار وطني للتنسيق بين المؤسسات المعنية، ووضع برنامج تنفيذي يمتد لعدة سنوات، تتوزع فيه المسؤوليات بوضوح، مع تخصيص موازنات للإنتاج الثقافي والفني، وقياس أثر البرامج على وعي المجتمع واتجاهات الشباب.
كما ينبغي إشراك الفنانين والكتاب والمخرجين والمثقفين الأردنيين في صياغة هذه البرامج وتنفيذها، فهم شركاء في بناء الوعي الوطني، وليسوا مجرد أصحاب مهن ترفيهية.
إننا اليوم أمام مسؤولية تتجاوز إدانة جريمة حمود، إلى ضرورة التفكير الجاد في حماية مجتمعنا من تكرار مثل هذه الجرائم. فالتطرف لا يولد فجأة، والكراهية لا تتحول إلى رصاص من فراغ، وإنما تنمو حين تُترك الأفكار المسمومة دون مواجهة فكرية وثقافية وتربوية حقيقية.
**إن تجفيف منابع الإرهاب يبدأ أيضًا من تجفيف منابع الكراهية في العقول، وزراعة قيم المحبة والاعتدال والتسامح في النفوس.**
ولذلك، فإن ترجمة توجيهات جلالة الملك تستوجب أن تتحول الثقافة والفنون والإعلام والتعليم إلى جبهة وطنية متكاملة، تعمل إلى جانب مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية، لحماية الإنسان الأردني وصون وحدتنا الوطنية.
سيبقى الأردن، بأبنائه جميعًا، وطنًا للأصالة والكرامة والتآخي والتسامح، وسيبقى المسلم والمسيحي شريكين في الأرض والتاريخ والمصير، ولن تستطيع رصاصات الغدر أن تمحو تاريخًا طويلًا من الأخوة والعيش المشترك.
**فالأردن أكبر من أفعال الحاقدين، ووحدتنا الوطنية خط أحمر لا يُسمح بالمساس به.**
رحم الله شهداءنا الأبرار، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، ومنّ على المصابين بالشفاء العاجل.
وحفظ الله الأردن وقيادته وشعبه من كل سوء.