اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

من حيّ الأرمن إلى كنيسة حمود في الكرك

السبت-2026-10-24 12:43 pm
جفرا نيوز - رائد العورتاني 

لم تكن حادثة كنيسة حمود في الكرك مجرد جريمة إرهابية أدمت قلوب الأردنيين بل كانت جرحاً أصاب وجدان الوطن كله واعتداءً على قيمنا الوطنية والإنسانية ومحاولةً لضرب واحدة من أهم ركائز قوة الأردن و وحدة أبنائه وتماسك نسيجه الاجتماعي.

وأنا أتابع هذه الفاجعة لم أستحضر صور الدم والوجع وحدها بل عادت بي الذاكرة إلى طفولتي في حيّ الأرمن في الأشرفية بالعاصمة عمّان، حيث عشت وتعايشت مع إخوتي المسيحيين وتقاسمنا تفاصيل الحياة اليومية في زمن لم تكن فيه هويتنا الوطنية موضع نقاش أو مساومة.

لم أسمع في طفولتي أحدًا يسأل الآخر هل أنت مسلم أم مسيحي، كنا نسأل عن بعضنا بالمحبة ونتعامل بالأخوة ونجتمع على مائدة واحدة ونفرح معاً في الأعياد.

كنا نحتفل بعيد الميلاد المجيد وعيد الأضحى ونشارك بعضنا فرحة عيد القيامة وعيد الفطر، كانت بيوتنا متلاصقة وجدرانها شاهدة على المحبة وأبوابها مفتوحة للجيران ولم تكن اختلافاتنا الدينية يوماً حواجز تفصل بيننا بل كنا نرى في بعضنا اهلاً وإخوةً وشركاء في الوطن والحياة.

هذه ليست حكاية من الماضي أرويها بدافع الحنين بل شهادة على حقيقة أردنية عشتها بنفسي وتشاركت تفاصيلها مع عائلات كريمة اعتبرتها وما زلت أعتبرها أهلي وإخوتي، اذكر منهم الأرمن والسريان والحجازيين وعائلات كفوف وحداد وقموه والمصاروة والحدادين وغيرهم من أبناء هذا الوطن الذين جمعتنا بهم المحبة والجيرة الطيبة والعيش المشترك.

لقد كبرنا معاً وتقاسمنا الأفراح والأحزان ولم تكن أدياننا أو أصولنا يوماً حاجزاً بيننا بل كانت أخوتنا الأردنية أعمق من كل اختلاف وما زلت أؤمن أن هذه الروح الأصيلة حاضرة في وجدان الأردنيين مهما حاولت قوى التطرف والكراهية تشويهها أو النيل من وحدتنا الوطنية

حين يصبح الدين ضحيةً للمتطرفين فإن استهداف كنيسة في الكرك لا يمكن النظر إليه باعتباره اعتداءً على أبناء طائفة بعينها بل هو اعتداء على الأردن كله وعلى حق الإنسان في الحياة والعبادة والأمان.

إن القاتل الذي يستهدف الأبرياء في مكان عبادة أيًّا كانت ديانتهم لا يدافع عن دين ولا ينتصر لعقيدة بل يهدم القيم التي تقوم عليها الأديان ويحوّل المقدسات إلى ساحات للخوف والدماء.

الإسلام الحقيقي بريء من هذا الفكر المتطرف كما أن المسيحية بريئة من كل من يوظف اسمها لتبرير الكراهية والعنف، لا يوجد دين سماوياً يمنح احداً حق قتل الأبرياء ولا عقيدة تبيح تحويل الاختلاف إلى مبرر للعداء.

الأردن ليس ساحةً للطائفية، لقد بنى الأردنيون عبر عقود طويلة نموذجاً من التعايش لم تصنعه الشعارات بل صنعته الحياة اليومية والعلاقات العائلية والاجتماعية والعمل المشترك والوقوف إلى جانب بعضهم في الأفراح والأتراح.

في الأردن المسلم والمسيحي شريكان في بناء الدولة وفي الدفاع عن ترابها وفي تحمل مسؤولياتها وفي صناعة مستقبل أبنائها، لا تُقاس المواطنة باسم الطائفة ولا تُمنح الحقوق على أساس المعتقد بل يجمعنا دستور الدولة وسيادة القانون والانتماء إلى وطن واحد.

 لن نسمح لجريمة إرهابية بأن تعيد تشكيل نظرتنا إلى بعضنا أو أن تمنح أصحاب الخطاب التحريضي فرصة لتسميم علاقاتنا، الإرهاب يريد أن يقتل الإنسان ثم يقتل الثقة بين الناس ثم يترك المجتمع أسير الخوف والشك والانقسام.

ان المسؤولية الوطنية تفرض على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي التزام الدقة والابتعاد عن نشر الأخبار غير الموثوقة والمقاطع المضللة وعدم تحويل دماء الضحايا إلى مادة للتحريض أو الاستثمار السياسي، وفي هذه اللحظات العصيبة فإن التكاتف الشعبي وضبط النفس والثقة بالمؤسسات المختصة واحترام مسار التحقيق ليست مظاهر ضعف بل عناصر قوة تحمي المجتمع من الوقوع في الفخ الذي يسعى إليه الإرهاب.

إننا نحتاج إلى خطاب وطني مسؤول حازم في مواجهة التطرف واضح في الدفاع عن سيادة القانون وعادل في تحديد المسؤوليات لا يساوم على أمن الأردن ولا يسمح لأحد باستغلال الألم الوطني لإشعال فتنة بين أبنائه.

وصيتي إلى الأجيال القادمة، إلى أبنائنا وبناتنا أقول تعلّموا من الأجيال التي عاشت معاً قبل أن تصبح الطائفية تجارةً في أيدي المتطرفين وقبل أن تتحول الكراهية إلى خطاب يتسلل عبر الشاشات، عرفت في طفولتي معنى الأخوة قبل أن أعرف لغة التصنيفات؟وعرفت أن الجار ليس سؤالًا عن دينه بل إنسان تقف إلى جانبه ويقف إلى جانبك حين تضيق الحياة، هذه القيم هي التي نريد أن نورثها لأبنائنا لا الخوف من بعضنا ولا الشك في نيات بعضنا.

وإلى إخوتنا المسيحيين في الكرك وفي كل أنحاء الأردن إن مصابكم مصابنا ووجعكم وجعنا والاعتداء على كنيسة حمود اعتداء على كرامة كل أردني يؤمن بأن هذا الوطن يتسع لجميع أبنائه.

لن نسمح للإرهاب والطائفية أن تعيد رسم حدود المحبة بين بيوتنا، لقد كانت بيوت حيّ الأرمن متلاصقة كما هو الحال في الكثير من المدن الأردنية وستبقى قلوب الأردنيين متلاصقة مهما حاولت يد الإرهاب أن تفصل بينها، الأوطان لا يحميها السلاح وحده بل يحميها أيضًا وعي أبنائها وعدالة مؤسساتها وصدق أخوتهم وإيمانهم بأن الإنسان شريك في الوطن قبل أي اعتبار آخر.

رحم الله ضحايا كنيسة حمود ومنح أهلهم الصبر والقوة ونسأل الله الشفاء للمصابين وحفظ الأردن امناً موحداً في ظل قيادته الهاشمية.

نحن أردنيون تجمعنا أرض واحدة ومصير واحد وراية واحدة         
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير