جفرا نيوز -
محمود خطاطبة
makhatatbh@gmail.com
يُلاحظ في الآونة الأخيرة تزايد الإعلان عن قضايا فساد وتجاوزات مالية وإدارية في مؤسسات ووزارات وهيئات حُكومية وشبه حُكومية، إلى درجة وصل معها الرأي العام بأنه أصبح يُتابع أخبارًا مُتلاحقة عن إحالة مسؤولين أو موظفين إلى القضاء.
وما إن تنتهي قضية حتى تظهر أُخرى، الأمر الذي يُثير تساؤلات مشروعة لدى المواطنين حول أسباب هذا الحضور المُتكرر لقضايا الفساد في أوقات مُعينة، وما إذا كان ذلك يعكس ارتفاعًا في حجم الفساد نفسه، أم أنه نتيجة لتشديد الرقابة وارتفاع مُستوى الكشف عنه، أو "موجة" تستمر لفترة ما ثم تذهب.
والسؤال هنا: هل المهم الإعلان عن قضايا فساد وعددها؟، أم لماذا تظهر في أوقات معينة والاهتمام بها في لحظات مُحددة؟، خصوصًا إذا ما علمنا بأنه قد تمر فترات دون أن يسمع المواطن عن ملفات فساد تُذكر، ثم تظهر في وقت قصير سلسلة قضايا وتحقيقات.
لا أحد يشك أن الفساد، بمُختلف أشكاله وأنواعه، يُمثل تحديًا تواجهه مُعظم دول العالم، ويأخذ صورًا مُتعددة، مثل إساءة استخدام السلطة، أو استغلال الوظيفة العامة لتحقيق مكاسب شخصية، أو التجاوز على المال العام، أو مُخالفة القوانين والإجراءات الإدارية.. لكن هذه الظاهرة تُختلف مُستوياتها من دولة إلى أُخرى بحسب قوة المؤسسات، وفعالية الرقابة، ودرجة الشفافية، وسرعة إنفاذ القانون.
قد يُفسر تكرار الإعلان عن قضايا الفساد بعدة عوامل، من بينها تطور أدوات الرقابة المالية والإدارية، وازدياد التنسيق بين الجهات الرقابية والقضائية، إلى جانب التوسع في استخدام الأنظمة الإلكترونية التي تجعل اكتشاف المُخالفات أكثر سهولة مما كان عليه في السابق؛ كما أن اهتمام منصات التواصل الاجتماعي بمتابعة مثل هذه القضايا قد يسهم في إبرازها للرأي العام بصورة أكبر
في المُقابل، لا يُمكن إغفال أن الضغوط الاقتصادية، وتعقيد بعض الإجراءات الإدارية، وضعف الالتزام بمعايير الحوكمة في بعض المؤسسات، قد تُشكل بيئة تساعد على وقوع تجاوزات مالية أو إدارية إذا غابت الرقابة الفاعلة أو المُساءلة المستمرة؛ فضلًا عن أن أي خلل في أنظمة الرقابة الداخلية أو تضارب المصالح أو ضعف ثقافة النزاهة المؤسسية قد يزيد من احتمالية حدوث مثل هذه القضايا.
وفي خضم هذا المشهد، تبرز تساؤلات لدى بعض المواطنين حول ما إذا كان توقيت ظهور بعض القضايا قد يكون مدفوعًا أو مُرتبطًا بجهات أو أشخاص يسعون إلى تحقيق مصالح مُعينة أو تصفية حسابات سياسية، أو لتغطية على ملفات وتحديات اقتصادية واجتماعية أُخرى تُشغل الرأي العام؛ بالإضافة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورًا في تضخيم بعض الملفات أو توجيهها لخدمة أجندات مُعينة، ما قد يُضفي أحيانًا طابعًا مُسيسًا على قضايا إدارية بحتة.
ومثل هذه التساؤلات تتكرر عادة في المُجتمعات كافة، خصوصًا عندما تكون القضايا ذات أبعاد سياسية أو اقتصادية أو تتعلق بشخصيات معروفة؛ إلا أن التعامل مع مثل هذه الفرضيات يتطلب قدرًا كبيرًا من الحذر.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط وجود الفساد، وإنما أن يفقد المواطن ثقته بأن محاربته تتم وفق معيار واحد.. فعندما يشعر الناس أن ملفًا ما يُنبش في توقيت مُحدد لخدمة هدف سياسي أو لتصفية حسابات أو لصرف الأنظار عن أزمة أخرى، فإن ذلك لا يضر بالشخص أو المؤسسة المعنية وحدهما، بل يضعف ثقة المجتمع كله في منظومة الرقابة والمساءلة.
لذلك، فإن "النزاهة" لا تعني فقط كشف المخالفات وإحالتها إلى القضاء، وإنما تعني أيضًا العدالة في اختيار الملفات، والمساواة في التعامل معها، والوضوح في أسباب فتحها؛ فالمطلوب أن تُفتح ملفات الفساد من أجل العدالة.