جفرا نيوز -
بقلم: د. عبدالحميد عليمات
أمين عام الحزب الديمقراطي الأجتماعي
ليست الديمقراطية الاجتماعية مجرد عنوان سياسي، ولا مجموعة من الشعارات التي ترفع في البرامج الانتخابية، بل هي فلسفة في إدارة الدولة، تنطلق من مبدأ جوهري مفاده أن لكل مواطن حقاً عادلًا في الوصول إلى الخدمات الأساسية، وأن كرامة الإنسان لا ينبغي أن تتحدد بمستوى دخله، أو مكان إقامته، أو قدرته على تحمل الأعباء المالية.
ومن هذا المنطلق، فإن تقييم أداء الحكومة، برئاسة الدكتور جعفر حسان من منظور ديمقراطي أجتماعي لا ينبغي أن ينطلق من المواقف المسبقة، لا تأييدًا مطلقًا ولا معارضةً مطلقة، بل من قراءة موضوعية لما تحقق، وما تعثر، وما يزال ينتظر المعالجة. فالمعيار السياسي الحقيقي ليس حجم النشاط الحكومي أو عدد المشاريع المعلنة، وإنما قدرة هذه الجهود على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين، وتقليص الفوارق بينهم، والاستجابة لمشكلاتهم اليومية ،ولا يمكن إنكار أهمية متابعة رئيس الوزراء لعدد من الملفات الوطنية، أو ما تطرحه الحكومة من توجهات لتطوير قطاعات حيوية، لكن الإنصاف في التقييم يقتضي التمييز بين الإعلان عن الخطط وتحقيق نتائجها، وبين إطلاق المشاريع وقياس أثرها الفعلي. كما يقتضي عدم اختزال أداء الحكومة بشخص رئيسها ، فالمسؤولية جماعية، والبرنامج الحكومي لا ينفذ بالمتابعة وحدها، بل بكفاءة الفريق الوزاري، وقدرته على المبادرة، والاستجابة للتحديات، ومحاسبة المقصرين ،وهنا تبرز ضرورة تقييم أداء الوزراء على أساس النتائج لا التصريحات، ومدى قدرتهم على الانتقال من إدارة الملفات اليومية إلى معالجة الاختلالات المتراكمة. فنجاح رئيس الوزراء في متابعة الأولويات لا يعفي بقية أعضاء الفريق الحكومي من مسؤولياتهم، كما أن وجود توجهات إيجابية في بعض القطاعات لا ينبغي أن يحجب جوانب القصور في قطاعات أخرى. فالدولة لا تدار بالجهد الفردي، ولا تتحقق أهدافها ما لم تتحول الرؤية الحكومية إلى أداء مؤسسي متكامل، يشعر المواطن بنتائجه ،وهنا تبرز أهمية المسؤولية السياسية للوزير، باعتباره شريكًا في تنفيذ البرنامج الحكومي لا مجرد شاغل لموقع إداري ،فالتباين في الأداء بين الوزارات يستدعي مراجعة جادة لمستوى الإنجاز، وتقييمًا موضوعيًا للنتائج، ومساءلة قائمة على المسؤولية والقدرة على التطوير ،فلا يمكن لرئيس الوزراء، مهما بلغت جديته في العمل، أن يحقق أهداف حكومته إذا لم يتحول كل وزير إلى مركز مبادرة وإنجاز، وإذا لم تترجم الرؤية الحكومية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في مختلف القطاعات.
وانسجاماً مع برنامج الديمقراطية الأجتماعيه ومن باب الأنصاف في فإنه يحسب للدكتور جعفر حسان اهتمامه الواضح بقطاعات الصحه والتعليم والنقل ، وسعيه إلى تطوير خدماتها وتعزيز حضورها ضمن الأولويات الحكومية، بما يعكس توجهاً إيجابياً نحو ربط التحديث بتحسين حياة المواطنين وتوسيع فرصهم في الوصول العادل إلى الخدمات الأساسية وهو ما تمثل في ما أعلنت الحكومة عن توجهات ومشاريع في هذه المجالات ضمن برنامجها التنفيذي للأعوام 2026–2029 ،وكما نعلم جميعاً فإن النقل والتعليم والصحة ليست قطاعات خدمية منفصلة عن بعضها، بل تشكل معاً جوهر العدالة الاجتماعية، والمقياس الأكثر واقعية لمدى نجاح الدولة في تحويل مسؤولياتها تجاه المواطنين إلى حقوق ملموسة في حياتهم اليومية.
وعندما ننظر إلى أداء رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان من هذه الزاوية، فإن السؤال السياسي الأهم لا يتعلق فقط بعدد المشاريع التي أعلنت ، أو حجم المخصصات المالية التي رصدت ، بل بمدى قدرة هذه السياسات على تقليص الفجوة بين المواطنين في فرص الوصول إلى الخدمة العامة، وتحقيق أثر حقيقي يشعر به المواطن في حياته اليومية.
إن الديمقراطية الاجتماعية تؤمن بأن السوق وحده لا يستطيع ضمان العدالة، وأن دور الحكومه لا يقتصر على تنظيم النشاط الاقتصادي، بل يمتد إلى تصحيح الاختلالات الاجتماعية، وتوفير الخدمات الأساسية، وحماية الفئات الأقل قدرة على الوصول إليها ،فالعدالة لا تتحقق عندما تتوافر الخدمة على الورق، وإنما عندما يستطيع المواطن استخدامها فعلياً ، دون أن تتحول كلفتها أو المسافة التي تفصله عنها أو ضعف جودتها إلى حواجز تمنعه من الحصول عليها.
ومن هذا المنطلق، فإن التفاوت في مستوى الخدمات بين العاصمة والمحافظات، وبين مراكز المدن والأطراف، وبين الأسر القادرة والأسر محدودة الدخل، ليس مجرد مشكلة إدارية أو فنية، بل هو تحد مباشر لمفهوم تكافؤ الفرص ،وهنا تحديدًا تبرز أهمية الديمقراطية الاجتماعية بوصفها مشروعًا يسعى إلى جعل الدولة أكثر عدالة، والخدمات العامة أكثر شمولًا، والتنمية أكثر ارتباطًا باحتياجات الناس الفعلية ،ولا يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص في الأردن دون التوقف عند واقع النقل العام. فالمواطن الذي لا يجد وسيلة نقل منتظمة وآمنة وبكلفة معقولة لا يواجه مشكلة تنقل فحسب، بل قد يفقد فرصة عمل، أو يتعذر عليه الوصول إلى جامعته، أو يضطر إلى تأجيل موعد طبي، أو يتحمل جزءاً أكبر من دخله لتلبية احتياجاته الأساسية.
إن النقل العام ليس ترفاً حضارياً ، بل بنية أساسية للعدالة الاجتماعية، وأداة لإعادة توزيع الفرص بين المناطق والفئات الاجتماعية ،وفي هذا السياق، فإن توجه حكومة الدكتور جعفر حسان نحو تطوير النقل العام، وتوسيع خدمات النقل المنتظم بين العاصمة والمحافظات، إلى جانب إطلاق مشروع النقل المدرسي في مرحلته الأولى، يمثل خطوة تستحق التقدير من حيث ارتباطها بحاجة اجتماعية مباشرة.
أما في قطاع التعليم إحدى أهم أدوات الحراك الاجتماعي، وهو المجال الذي يفترض أن تتراجع فيه الفوارق الاقتصادية، لا أن يعاد إنتاجها من جيل إلى آخر ،فلا يكفي أن تكون المدارس والجامعات متاحة، إذا كان الطالب في منطقة بعيدة يواجه صعوبات في الوصول إلى مدرسته، أو كانت أسرته عاجزة عن تحمل نفقات التعليم، أو كانت جودة التعليم الذي يحصل عليه أقل من تلك التي يحصل عليها طالب آخر بسبب مكان سكنه أو وضع أسرته الاقتصادي ، وبالتالي فإن زيادة مخصصات دعم الطالب الجامعي، والاستثمار في البنية التحتية التعليمية، وتطوير خدمات النقل المدرسي، كلها مسارات يمكن أن تسهم في تعزيز العدالة التعليمية ،فالدولة التي تريد بناء اقتصاد حديث لا يجوز أن تسمح بأن تصبح الظروف الاجتماعية للأسرة محددًا لمستقبل أبنائها، أو أن يتحول الفقر إلى حاجز أمام التفوق والطموح.
أما الصحة، فهي الاختبار الأكثر حساسية للعدالة الاجتماعية، لأن الحصول على العلاج لا يرتبط فقط بجودة الحياة، بل قد يرتبط بحياة الإنسان نفسها ،ولا يمكن اعتبار المنظومة الصحية عادلة إذا كان المواطن مضطرًا إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مستشفى، أو الانتظار مددًا طويلة للحصول على موعد، أو تحمّل نفقات علاجية تفوق قدرته المالية ،وفي هذا الإطار، فإن توجه حكومة الدكتور جعفر حسان نحو توسيع التغطية الصحية، وتعزيز الرعاية الصحية الأولية، وتطوير المستشفيات والمراكز الصحية، يمثل مسارًا مهمًا ينبغي البناء عليه ومتابعة نتائجه.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم هو الانتقال بصورة واضحة من قياس الإنجاز الإداري إلى قياس الأثر الاجتماعي ، أي من السؤال عن عدد المشاريع المنفذة إلى السؤال عن الفئات التي استفادت منها، والمناطق التي تحسنت فيها الخدمات، والفوارق التي نجحت السياسات الحكومية في تقليصها ،وهذا يستدعي اعتماد مؤشرات معلنة تقيس عدالة توزيع الخدمات وتوافرها، وكلفتها على المواطنين، وجودتها، ومدى سهولة الوصول إليها، مع نشر نتائج دورية تسمح للمواطنين والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني بمساءلة الحكومة على أساس المعلومات والنتائج.
من منظور الديمقراطية الاجتماعية، فإنني أجد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى ثلاثة تحولات أساسية في إدارة الخدمات العامة ،أولها هو توجيه الإنفاق وفقًا للاحتياج الاجتماعي، بحيث تحصل المناطق والفئات التي تعاني من نقص الخدمات على نصيب يتناسب مع حجم الفجوة التي تواجهها ،وثانيها ربط الخطط الحكومية بنتائج قابلة للقياس، من خلال مؤشرات واضحة في النقل والتعليم والصحة، لا تكتفي بقياس الإنفاق ونسب التنفيذ، بل تقيس التحسن الذي يلمسه المواطن في حياته اليومية ،وثالثها تعزيز المساءلة والمشاركة المجتمعية، عبر إشراك البلديات والأحزاب والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني والمواطنين في تحديد الأولويات وتقييم النتائج، لأن العدالة الاجتماعية لا تبنى بقرارات مركزية وحدها، بل تحتاج إلى معرفة دقيقة باحتياجات الناس في مختلف المحافظات ، وهذه التحولات لا أرى اننها تتعارض مع التحديث الاقتصادي، بل تمنحه مضمونه الاجتماعي ، فالنمو الذي لا تتسع ثماره لتشمل شرائح المجتمع المختلفة يظل نموًا ناقصًا، والإصلاح الإداري الذي لا ينعكس على جودة الخدمات يبقى إصلاحًا لم يكتمل أثره.
إن الديمقراطية الاجتماعية لا تطلب من الحكومه أن تقدم الوعود للجميع فحسب، بل أن تضمن فرصًا أكثر عدالة للجميع. ولا تقيس نجاح السياسات بعدد المستفيدين الإجمالي فقط، بل بمدى وصولها إلى من هم أكثر حاجة إليها، وقدرتها على إزالة الحواجز التي تحول دون استفادة المواطنين من حقوقهم الأساسية ،ومن هذا المنطلق، فإن الحكم على أداء رئيس الوزراء في النقل والتعليم والصحة ينبغي أن يستند إلى ما يتحقق على الأرض من تقليص للفوارق، وتحسين لجودة الخدمات، وتخفيف للأعباء عن الأسر، وتعزيز لفرص المواطنين في مختلف المحافظات.
إن التحدي أمام الحكومة ليس فقط أن تنجز مشاريع جديدة، بل أن تجعل أثر التنمية أكثر عدالة، وأن يشعر المواطن بأن مكان إقامته أو دخله لا ينتقصان من فرصته في الحصول على خدمة عامة تليق بكرامته ،فالدولة القوية ليست تلك التي تعلن عن أكبر عدد من المشاريع، بل تلك التي تجعل خدماتها الأساسية حقاً متاحاً بعدالة، لا امتيازاً تحكمه القدرة المالية أو الجغرافيا. ومن هنا، فإن النجاح الحقيقي لحكومة جعفر حسان سبقتي بمدى اقتراب المواطن الأردني أينما كان من هذا الحق ،لأن العدالة الاجتماعية ليست مرحلة تأتي بعد التنمية، بل هي المعيار الذي يمنح التنمية معناها وقيمتها.