اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

على عتبات السابعة والخمسين

بين أثر العائلة وغربة الوطن!!

الأربعاء-2026-10-14 08:53 am
جفرا نيوز -
كتب د. احمد زياد ابو غنيمة 

أطرق اليوم، الرابع عشر من أكتوبر، أبواب عامي السابع والخمسين، متوقفاً في محطة جديدة من محطات هذه الدنيا؛ لأسترجع شريطاً طويلاً من الذكريات، وأتأمل مسيرة حافلة بحلوها ومرها، بنجاحاتها وانكساراتها. 
في هذه الرحلة الممتدة، كان همي الأكبر وشغلي الشاغل أن أكون ذا أثرٍ طيبٍ وبصمةٍ لا تُمحى في حياة من هم حولي، وفي مقدمتهم قرة عيني وسندي في هذه الحياة؛ ابني وبناتي واحفادي الغاليين. 
حاولت جاهداً أن أزرع فيهم القيم التي تربينا عليها، وأن أورثهم محبة الناس وحب هذا الثرى الطهور، ليكونوا امتداداً خيراً في زمن تتلاطم فيه أمواج الفتن والمحن.
**
ولكن، وكما كنت أؤكد في مقالاتي وتأملاتي طيلة هذا العام المثقل بالأحداث والآلام، لا يمكن للمرء أن يعيش في معزلٍ عن هموم أمته ووطنه. 
يعتصر قلبي اليوم شعورٌ عارم بالغضب، غضبٌ ممزوج بحرقةٍ وألمٍ جراء ما يجري في وطننا الغالي، وما آلت إليه أحوال أمتنا. إن العتب الأكبر، بل الخيبة الكبرى، تقع على كاهل من يملكون القرار في أردننا؛ فقد بات جلياً للقاصي والداني أنهم أصبحوا في وادٍ والشعب في وادٍ آخر تماماً؛ لقد صمّوا آذانهم فلم يعودوا يستمعون لنبض الشارع، وأغلقوا عيونهم فلا ينظرون إلى الأمور إلا من خلال منظارهم الخاص؛ ذلك المنظار الذي أثبتت الأيام وحقائق التاريخ أن درجة وضوحه كانت مشوشة، ورؤيته قاصرة عن إدراك حجم التحديات التي تعصف بنا.
يؤسفني القول، وأنا أقف على عتبة عامٍ جديد من عمري، أنني – وبكل مرارة – فقدت الأمل تقريباً في كافة مؤسساتنا الرسمية، بعد أن تحولت إلى هياكل عاجزة عن تلبية طموحات الأردنيين أو حماية مقدراتهم. 
**
وحين يصل المرء بعد هذا العمر الطويل، وبعد كل هذا العطاء والارتباط الوجداني بتراب البلد، إلى مرحلة يشعر فيها أنه غريبٌ في وطنه، فتلك والله هي الفاجعة بعينها، وتلك هي أقسى درجات القهر التي يمكن أن تدمي قلب إنسان حر.
وما يزيد الطين بلة، ويضاعف من مرارة الغربة في الوطن، أن تجد نفسك، وقد طالك وأسرتك أذىً وإساءة على رؤوس الأشهاد، تفقد الأمل في أي مسؤول "كبير" تطرق بابه لإنصافك؛ فالأبواب الموصدة، والآذان الصماء، تزيد من مساحة الحزن والأسى. 
لقد بات جلياً أن الأردن اليوم ليس ذلك الأردن الذي عشنا به ومعه طوال سبعة وخمسين عاماً، وأن المسؤولين اليوم لم يعودوا أولئك المسؤولين الذين كنا نسمع عنهم بإنصافهم وانتصارهم للحق والعدالة، وبوقوفهم إلى جانب المظلوم مهما كان الثمن.
**
الاردن اليوم وبكل أسف اقولها ينقسم إلى قسمين: هم ونحن، هم من يقتسمون المناصب والمواقع ولا يسمحون لأحد ان يقترب من دائرتهم المغلقة؛ لا يقلقون البتة من رسوم مدرسية او جامعية او فواتير متأخرة، ونحن السواد الاعظم من ابناء الشعب نعيش ضنك الحياة ليعيشوا هم في نعيمها وقصورهم.
**
رغم هذه الغصة التي تسكن الحلق، ورغم كل هذا السواد الذي يحيط بنا والخذلان الذي نعيشه، يبقى الأمل بالله وحده كبيراً لا يحده حد، فنحن قوم لا نيأس من روح الله، وأملنا بالخالق جل في علاه أن يزيل هذه الغمة العابرة عن أمتنا التي تنزف، وأن يحمي أردننا الغالي من كل سوء ومكروه.
**
في يوم ميلادي، أرفع أكف الضراعة إلى السماء، راجياً المولى عز وجل أن يبعث لنا مسؤولين يخافون الله أولاً، ويتقونه في شعبنا الأردني العظيم؛ هذا الشعب الأبيّ، الصابر، المرابط، الذي لم يبخل يوماً على وطنه وأمته، والذي يستحق قياداتٍ ومسؤولين يكونون بحجم طموحاته، وبمستوى تضحياته، وينتصرون للحق ولا يخشون في الله لومة لائم.
**
وختاماً،،،
كان من المفروض أن أكون اليوم محتفياً بإطلالة عامٍ جديد في حياتي؛ ولكن المرارة والعتب والغضب هي ما يسكنني في هذا اليوم؛ فلا سامح الله من نزع الفرحة من قلوب الاردنيين في معظم أيامهم وليس في يوم صادف انه عيد ميلادي!!
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير