اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

المشاورة يكتب: سيدنا في أستراليا..

الثلاثاء-2026-10-13 11:36 am
جفرا نيوز -
بقلم: د. رائد المشاورة/ استراليا

كنت أترقّب، مع إشراقة هذا الصباح، وصول جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين إلى أستراليا، وقد أسعدنا وصوله، بحمد الله ورعايته، سائلين المولى عزّ وجلّ أن يوفقه في زيارته، وأن يكلّل لقاءاته بالنجاح، وأن يجعلها خطوة جديدة في مسيرة تعزيز العلاقات بين البلدين.

كانت الزيارة الأخيرة لجلالته إلى أستراليا عام 2014، وقد تركت في الذاكرة مشاهد ومواقف تستحق التوقّف عندها، ومنها مقابلة إعلامية متميّزة أظهر فيها قدرة لافتة على مخاطبة الغرب ، وشرح قضايا العرب وهموم المنطقة بوعيٍ عميق وحضورٍ واثق. وقد ظلّ جلالته، في كثير من المحافل الدولية، صوتاً عربياً يحمل رسالته بوضوح، ويدافع عن قضايا أمّته في عالم تتشابك فيه المصالح وتشتدّ فيه المنافسة على صياغة الروايات وتوجيه الرأي العام.

ولا أنسى خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرا الذي وجدته من أقوى الخطابات التي استمعت إليها؛ لما حمله من رسائل عميقة، وما اتسم به من وضوح في الموقف، وقوة في التعبير، واستحضار للمسؤولية الأخلاقية والإنسانية تجاه قضايا المنطقة والعالم. فالكلمة حين تصدر عن قيادة تدرك تعقيدات المرحلة، وتعبّر عن وجدان شعبها وأمّتها، لا تكون مجرّد خطاب عابر، بل موقفاً يُسجَّل في الذاكرة ويستحق التأمّل.

وأستراليا، بما تمتلكه من خبرات علمية وتجارب رائدة، تقدّم مجالات واسعة للتعاون الذي يمكن أن يعود بالنفع على الأردن؛ ففي التعليم والبحث العلمي والزراعة والطب والتقنيات الحديثة، تراكمت لديها خبرات وممارسات تستحق الدراسة والاستفادة. وليس المطلوب أن نكتفي بالإعجاب بتجارب الآخرين، بل أن نحسن نقل المعرفة، ونبني الشراكات، ونحوّل فرص التعاون إلى مشروعات عملية تخدم الإنسان الأردني، وتدعم الاقتصاد الوطني، وتفتح أمام شبابنا أبواباً أوسع للمستقبل.

وفي بلدٍ احتضن المهاجرين من مختلف أنحاء العالم، واستطاع أن يجمع بين تعدّد الثقافات والتقدّم العلمي، تبدو فرص التعاون أكبر من مجرّد اتفاقيات وبروتوكولات؛ إنها فرصة لتبادل الخبرات، والاستثمار في الإنسان، وبناء جسور المعرفة بين وطننا الأم والبلد الذي نعيش فيه. فالأوطان تتقدّم حين تنفتح على العالم، وتحافظ في الوقت ذاته على هويتها وكرامة أبنائها.

كنت أتمنّى أن تتاح لنا فرصة لقاء جلالة الملك والترحيب به عن قرب، تعبيراً عن المحبة والاعتزاز، غير أنّ ترتيبات الزيارة المزدحمة قد لا تسمح بذلك. ومع هذا، فإنّ الاهتمام بزيارة سيدنا لا يرتبط بفرصة اللقاء وحدها؛ فهناك مشاعر تختصرها المسافات، ومحبّة لا تحتاج إلى موعد، وانتماء يظلّ حاضراً مهما ابتعدت بنا الدروب.

إنّ الأردن ليس مجرّد مكان غادرناه بحثاً عن العلم والعمل والحياة، بل هو الوطن الذي كبرنا في ربوعه، وتشكلت في أرضه ذاكرتنا، وتعلّمت قلوبنا بين أهله معنى الانتماء. ومهما امتدّت بنا سنوات الغربة، وتعدّدت محطات العمر، يبقى للوطن الأم مكان لا ينازعه فيه مكان، وتظلّ أخباره حاضرة في وجداننا، ونفرح لفرحه، ونحزن لألمه، ونتمنّى له من أعماق القلب أن يزداد رفعةً وازدهاراً واستقراراً.

أدام الله جلالة الملك عبد الله الثاني، ووفّقه في زيارته، وحفظ الأردن وأهله، وكتب لوطننا مزيداً من الخير والازدهار. فالأوطان التي تسكن القلوب لا تغيب، وإن باعدت بينها وبين أبنائها البحار؛ ويبقى الدعاء لها وفاءً، والحرص على مستقبلها مسؤوليةً، والفرح بكلّ ما يرفع شأنها بعضاً من حقّها علينا.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير