اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

الاستنكار لا يصنع التغيير

الثلاثاء-2026-10-13 09:51 am
جفرا نيوز -
خالد مفلح البداوي

لم يعد الاستنكار وحده كافيًا لمواجهة ما نشهده من أزمات وتحديات، فالكلمات مهما كانت قوية، والبيانات مهما حملت من عبارات الرفض والإدانة، تبقى عاجزة عن إحداث التغيير ما لم تتحول إلى مواقف عملية وخطوات جادة تلامس واقع الناس وتستجيب لاحتياجاتهم.

اعتدنا أن نسمع عبارات الاستنكار عند وقوع الأزمات، وأن نشاهد موجات من الغضب ترتفع في لحظات الحدث، ثم تخفت تدريجيًا مع مرور الوقت، بينما تبقى المشكلة قائمة، وتستمر معاناة الناس، وكأن شيئًا لم يكن. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: ما قيمة الاستنكار إذا لم يتبعه تحرك؟ وما جدوى رفض الواقع إذا لم نمتلك الإرادة لتغييره؟.

إن الشعوب لا تبحث عن كلمات تواسيها مؤقتًا، بقدر ما تبحث عن حلول تنهي معاناتها، ولا تنتظر من المسؤولين مجرد الاعتراف بوجود الخلل، بل تتطلع إلى معالجة أسبابه ومحاسبة المقصرين ضمن الأطر القانونية، ووضع خطط واضحة تمنع تكراره.

ولا يعني ذلك أن الاستنكار بلا قيمة؛ فقد يكون بداية الوعي، وصوتًا يرفض الظلم، وموقفًا أخلاقيًا لا يجوز التنازل عنه. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاستنكار غاية بحد ذاته، وعندما نكتفي بالتعبير عن الغضب دون أن نبحث عن وسائل التغيير الممكنة، أو نمارس دورنا في المطالبة بالإصلاح ومتابعة تنفيذه.

إن التغيير الحقيقي لا تصنعه ردود الأفعال العابرة، بل تصنعه المواقف الثابتة، والعمل المنظم، والرقابة المسؤولة، والإرادة التي لا تتراجع أمام الصعوبات. كما أن الإصلاح لا يتحقق بالصوت المرتفع وحده، وإنما بوضوح المطالب، وصدق النوايا، والقدرة على تحويل الكلام إلى إنجاز ملموس.

وفي مجتمعاتنا، نحن بحاجة إلى الانتقال من ثقافة الشكوى إلى ثقافة المبادرة، ومن تكرار الحديث عن المشكلات إلى المشاركة في إيجاد الحلول، ومن انتظار النتائج إلى المطالبة بها ومتابعتها. فالمواطن ليس مجرد متلقٍ للأحداث، بل شريك في بناء المجتمع، وصوته مسؤولية، وموقفه حين يقترن بالوعي والعمل يمكن أن يصنع فارقًا حقيقيًا.

إن الأوطان لا تتقدم بكثرة ما يُقال فيها من كلمات الرفض، بل بمقدار ما يتحقق فيها من عدالة وإنجاز وإصلاح. ولا تُقاس جدية المواقف بحدة التصريحات، وإنما بما تتركه من أثر في حياة الناس.

فالاستنكار قد يعبّر عن رفضنا للواقع، لكنه لا يغيّره وحده؛ والتغيير يبدأ حين تتحول الكلمات إلى أفعال، والمواقف إلى مسؤولية، والمطالب إلى نتائج يلمسها الناس في حياتهم اليومية.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير