اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

من التهديد والوعيد إلى الغزل والتأييد،،،، يا لوقاحة المصالح حين ترتدي ثوب الوطنية!

الإثنين-2026-10-12 12:15 pm
جفرا نيوز -
بقلم: يحيى الحموري

ما أكثر الذين يخاصمون الدولة حين تضيق عليهم الدوائر، ويغازلونها حين يشمون رائحة العودة! وما أكثر الذين لا يعرفون للوطن بابا إلا الباب الذي يقود إلى الكرسي، ولا يتذكرون هيبة الدولة إلا حين تصبح هيبتهم الشخصية على المحك!

بعضهم إذا جلس على المقعد ظن الوطن مزرعة، والوزارة غنيمة، والمنصب صكا مفتوحا لتوريث النفوذ وتفصيل المواقع على مقاس الأبناء والمحاسيب. فإذا سقط المقعد، ارتفعت أصوات الوعيد، وتطايرت التهديدات، ولوحوا بفتح الملفات وكأنهم حراس النزاهة، لا أصحاب مصالح يخشون انكشاف ما وراء الستار!

ثم، يا للمفارقة المضحكة المبكية، ما إن تهدأ العاصفة حتى تنقلب لغة الوعيد والتهديد إلى مفردات الإصلاح والتحديث، وتتحول نبرة التهديد إلى مرافعة في حب الدولة، وكأن الذاكرة الوطنية مثقوبة، وكأن الناس قطيع ينسى الأمس بمجرد أن يسمع خطبة منمقة عن الغد!

أي وقاحة سياسية هذه التي تجعل بعضهم يظن أن الوطن ذاكرة سمكة، وأن المواطن بلا عينين ولا أذنين؟! وأي استخفاف بعقول الأردنيين أن يخرج من أبواب السلطة غاضبا متوعدا، ثم يحاول العودة إليها من حديقة الكلام الخلفية، متدثرا بثوب الحكمة، متعطرا بعطر الوطنية، وممسكا بيده قاموسا من الشعارات التي لم يعرفها إلا حين ابتعد الكرسي عن متناول يده؟!

الوطن ليس فندقا لمن يغادره غاضبا ثم يعود طالبا جناحا أكثر فخامة، والدولة ليست بابا دوارا يدخله المرء وزيرا ويخرج منه خصما ثم يعود متى تبدلت الرياح. والمناصب ليست ملكيات خاصة، ولا الوزارات إرثا عائليا، ولا أبناء المسؤولين أحق بوظائف الوطن من أبنائه الذين أنهكهم الفقر والبطالة وطول الانتظار.

أما الذين يختزلون الانتماء في حجم الامتيازات، والولاء في عدد المواقع، والكرامة في قربهم من دوائر القرار، فهؤلاء لا يحتاجون إلى خطب طويلة لكشفهم؛ تكفيهم مواقفهم حين يربحون، ومواقفهم حين يخسرون، والفارق الفاضح بين ما يقولونه عندما تكون المفاتيح في أيديهم وما يقولونه حين تغلق الأبواب في وجوههم.

لسنا قضاة على أحد، ولا نوزع صكوك البراءة أو الإدانة. لكننا نرفض أن تتحول الشبهات، إن وجدت، إلى مادة للمساومة، أو أن تصبح الملفات الملوح بها أوراق ضغط، أو أن يكون الصمت ثمنا للعودة، أو أن تتحول الوطنية إلى قميص يخلعه صاحبه عند الغضب ويرتديه عند الحاجة.

من لديه ملف فليضعه أمام الجهات المختصة، ومن لديه دليل فليقدمه، ومن يملك حقا فليسلك طريق القانون؛ أما التهديدات المتبادلة، وتسويق الأسرار، ومغازلة السلطة بعد الخصومة، فليست بطولة ولا نزاهة، بل مشهد سياسي بائس يدفع ثمنه وطن لا يحتمل مزيدا من العبث.

يا سادة، الكرامة لا تسكن الكراسي، والوطنية لا تقاس بعدد المناصب، والرجولة السياسية ليست أن تهدد حين تسقط ثم تتودد حين تطمع بالعودة.

إن أخطر ما يصيب الدول ليس نقص الرجال في مواقع المسؤولية، بل أن يظن بعض الجالسين عليها أنهم أكبر من المساءلة، وأن يظن بعض المغادرين لها أنهم أكبر من الذاكرة، وأن يظن العائدون من الأبواب الخلفية أن الشعب لا يرى.

فليعلم كل من يراهن على النسيان أن ذاكرة الأردنيين ليست ممحاة، وأن الوطن أكبر من طموح الأشخاص، وأطهر من صفقات المصالح، وأبقى من كل كرسي يتوهم صاحبه أنه خالد عليه.

الأردن ليس محطة عبور للمصالح، ولا بقرة حلوبا للمتنفذين، ولا جائزة ترضية لمن خسر موقعا. الأردن وطن، ومن لا يرى فيه إلا منصبا ومكسبا وامتيازا، فليبحث عن مرآة يرى فيها نفسه قبل أن يحدثنا عن الوطنية.

أما العودة إلى المسؤولية، فلا ينبغي أن تكون بمقال منمق، ولا بخطاب مستعطف، ولا بتودد مفاجئ؛ بل بسيرة نظيفة، وكفاءة مثبتة، وثقة عامة، ومساءلة لا تعرف الأسماء ولا تحابي أصحاب النفوذ.

فالكرسي قد يعود إلى صاحبه، أما الاحترام إذا سقط، فلا تعيده البلاغة ولا تنقذه الخطب!
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير