جفرا نيوز -
أ.د. ميساء نصر الرواشدة
غدًا، تفتح أم الجامعات أبوابها لتحتضن فوجًا جديدًا من أبنائنا الطلبة، الذين طال انتظارهم لهذا اليوم، الذي تتوّج فيه سنوات الجد والاجتهاد والمثابرة بتحقيق حلمٍ طالما راودهم.
غدًا، ستسبق القلوب الخطوات، وتفيض الأرواح بفرحة البدايات ورهبة التجربة الأولى، وهم يعبرون بوابات الجامعة الأردنية حاملين أحلامهم وطموحاتهم، ليبدؤوا في رحابها فصلًا جديدًا من حياتهم، تُكتب سطوره بالعلم والعمل، وتُفتح فيه أمامهم آفاق المستقبل.
ولعل هؤلاء القادمين إلى الجامعة للمرة الأولى لا يدركون سرّ ذلك الارتباط العميق الذي يجمع الأردنية بأبنائها؛ فهي ليست مجرد قاعات ومدرجات ومبانٍ أكاديمية، بل حكاية وطن وذاكرة أجيال، ومكان يمتلك قدرة استثنائية على أسر القلوب.
اسألوا خريجيها عن جامعتهم، وستدركون أن علاقتهم بها لا تنتهي يوم التخرج؛ فمجرد المرور بمحاذاة أسوارها يعيد إليهم سنوات العمر الجميلة، فيعود الأب طالبًا يحمل كتبه وأحلامه، وتعود الأم فتاة في مقتبل العمر تسير بين ممراتها مع صديقاتها، وكأن الزمن لم يمضِ.
وفي المكان الذي احتضن أحلام من سبقوهم، يستعد الطلبة الجدد لكتابة حكاياتهم الخاصة. هناك، حيث تتعانق القباب مع أشجار السرو، وتختلط هيبة العلم بجمال الطبيعة، تسير أحلام المستقبل على قدمين؛ فمنهم من يتطلع إلى أن يكون طبيبًا، ومنهم من يحلم بأن يصبح مهندسًا أو عالمًا أو أديبًا أو مؤرخًا أو قائدًا يترك أثرًا في وطنه ومجتمعه، تجمعهم الرغبة في النجاح، ويمنحهم انتماؤهم إلى أم الجامعات شعورًا بالفخر والاعتزاز.
وهو فخر يستند إلى مسيرة علمية وأكاديمية عريقة، صنعتها أجيال تعاقبت على هذا الصرح، من رؤساء وأساتذة وباحثين وإداريين وطلبة وخريجين، حملوا اسم الجامعة الأردنية إلى مختلف ميادين العلم والعمل داخل الأردن وخارجه.
وقد شهدت هذه المسيرة في عهد معالي الأستاذ الدكتور نذير عبيدات محطة مهمة في حضور الجامعة عالميًا، تجلّت في حصولها على المرتبة 326 عالميًا والأولى محليًا في تصنيف QS العالمي للجامعات لعام 2027، الذي أُعلنت نتائجه في حزيران 2026، وهو إنجاز يُضاف إلى رصيد الجامعة، ويعكس ثمرة العطاء المؤسسي المتراكم، وما شهدته خلال السنوات الأخيرة من جهود للارتقاء بجودة التعليم والبحث العلمي وتعزيز مكانتها الأكاديمية.
وانسجامًا مع هذا التقدم الأكاديمي، شهدت الجامعة خلال رئاسته أعمال تطوير وتحديث شملت القاعات والمدرجات والمكتبة والمرافق المختلفة، رافقها اهتمام بتحسين الخدمات الطلابية وتهيئة أماكن الدراسة والمطالعة والاستراحة، لتكون بيئة أكثر راحة وتكاملًا، تليق بطموحات أبنائها وتعينهم على التعلم والإبداع.
فالمكان الذي يحتضن العلم لا تقل أهميته عن العلم نفسه؛ إذ لا تكتمل رسالة الجامعة بما تمنحه من معرفة فحسب، بل بما توفره من بيئة تنمو فيها العقول، وتتفتح المواهب، ويترسخ فيها الشعور بالانتماء.
وفي رحاب هذه المدينة الجامعية التي تنبض بالحياة، سيجد الطلبة بين مكتباتها وقاعاتها ومطاعمها وساحاتها عالمًا يتجاوز حدود الدراسة إلى رحابة التجربة الإنسانية؛ حيث تتلاقى الأفكار، وتتولد الصداقات، وتتسع الرؤى، ويتعلم الإنسان كيف يفكر ويختار ويتحمل المسؤولية، فالسنوات الجامعية ليست مرحلة للتحصيل العلمي وحده، بل رحلة يتشكل خلالها الوعي، وتنضج الشخصية، وتتضح ملامح المستقبل.
وإليكم، أبنائي الطلبة الجدد، أقول: عيشوا هذه السنوات بكل ما تحمله من فرص وتجارب، ولا تختزلوا رحلتكم الجامعية في المحاضرات والامتحانات والحصول على الشهادة، تعلّموا بشغف، واقرؤوا خارج حدود المقررات، وامنحوا عقولكم حرية التساؤل، وقلوبكم متسعًا للمحبة، وأرواحكم نصيبها من جمال هذه المرحلة، اجعلوا من العلم رسالة، ومن النجاح قيمة، ومن انتمائكم إلى جامعتكم مسؤولية تدفعكم إلى أن تكونوا جديرين بالانتماء إلى أم الجامعات، وفخورين يومًا بأنكم من خريجيها.
فمرحبًا بكم في رحاب الجامعة الأردنية، حيث تظل القباب عنوانًا للعلم، والسرو رمزًا للشموخ، وحيث تبدأ رحلتكم نحو المستقبل بخطوة قد تصنع يومًا فرقًا في حياتكم وحياة الآخرين.
كل عام والجامعة الأردنية، بإدارتها وأساتذتها وموظفيها وطلبتها وخريجيها، بألف خير، وأكثر عطاءً وتميزًا وتألقًا.