جفرا نيوز -
الكاتب والباحث: د.محمود سمور
عضو الهيئة العامة لاتحاد الكتاب والادباء الاردنيين وعضو المجلس المركزي لحزب العمال
ميكروبات أنقذت ملايين البشر: الوجه المشرق للعالم المجهري
المقدمة
أن أغلب الناس عندما يسمعون كلمة "ميكروبات"، يظنون فورًا أنها مرتبطة بالمرض والعدوى والمشاكل الصحية فهي الصورة السلبية السائدة بالعادة ولكن الحقيقة أكبربكثيرمن هذا التصورالبسيط فالميكروبات عالم شاسع ومعقد وفيه كائنات لا تقل أهمية عن الهواء والماء وأحيانًا تكون سببًا في إنقاذ حياة البشروتطورمجالات كاملة مثل الطب والزراعة والصناعة.
مع الوقت اصبح الإنسان أذكى في التعامل مع هذه الكائنات الدقيقة بعدما كانت مجهولة واصبحت اليوم مفاتيح لعلاجات وأطعمة وصناعات أنقذت الملايين حيث أن بكتيريا وفطريات معينة أنتجت أدوية وميكروبات أخرى ساهمت في اختراع اللقاحات والإنزيمات وإنتاج الفيتامينات وأضف إلى ذلك البكتيريا التي أصبحت دعامة في صناعة المواد الغذائية.
العبرة هنا أن الميكروب ليس بالضرورة عدو بل هو كائن حي مثله مثل غيره ومن الممكن أن يكون ضارا لواتحنا له المجال ولكنه أحيانًا يكون حليفًا لا غنى عنه.
أولًا: بكتيريا غيّرت الطب للأبد
صحيح أن البكتيريا ارتبطت عند كثيرين بالأمراض ولكن تعد البكتيريا من أكثرالكائنات المجهرية التي استفاد منها الإنسان في المجالات الطبية والصناعية بالرغم من وجود أنواع ممرضة منها كما ذكرنا سابقا فهناك أنواعًا أخرى أصبحت مصدرًا لمركبات علاجية مهمة وسوف نذكربعض الأنواع التي كانت نقطة تحوّل في تاريخ الطب وبالاخص الانواع الشائعة من البكتيريا التي كانت نقطة التحول والتاثير :
1- بكتيريا العقدية الموجهة
هذه البكتيريا هي البكتيريا التي قادت لاكتشاف مضادات حيوية قوية خصوصًا الستربتوميسين حيث أن هذا الدواء والمضاد أول من نجح فعلًا في علاج السل فهو مرض كان يفتك بالبشرقبل القرن العشرين وبدل أن تصبح البكتيريا كلها أعداء اتضح أن بعض أنواعها كانت عونًا لنا ضد أمراض قاتلة تسببت بها بكتيريا أخرى ممرضة فتاكة.
2- العصيات اللبنية
تعيش هذه البكتيريا معنا وتتواجد داخل أجسامنا خاصة في الجهازالهضمي فهذه البكتيريا شريك أساسي في إنتاج اللبن والمنتجات المخمرة ومهمتها ليست فقط الطعام ولكنها تفرزحمض اللبنيك الذي يمنع تأثرالميكروبات الممرضة الضارة في الغذاء وداخل الامعاء وبفضلها نشأت البروبيوتيك واصبح الطعام المخمّرجزءًا من ثقافة الطعام الصحي.
3- بكتيريا الخل
أن العمليات التي تقوم بها البكتيريا بانتاج الخل عملية بسيطة جدًا لكنها عبقرية حيث أن البكتيريا تحول الكحول إلى حمض الخل وتحول بذلك العصائرأوالنبيذ إلى خل صالح للطعام حيث أنه من آلاف السنين والبشر يستخدمونها في صناعة الخل وتخزين الطعام.
ثانيًا: فطريات أنقذت البشرمن أمراض قاتلة
حتى الفطريات كان لها نصيب في إنقاذ الأرواح وهذه الفطريات الاكثرشيوعا وتواجد في كل مكان وهذه الفطريات :
1- فطرالبنسلينيوم
ففي عام 1928 لاحظ ألكسندرفليمنغ بالصدفة شيئًا في مختبره عندما رأى أن الفطرالذي نما في طبق التجربة انه قتل البكتيريا المحيطة به بحيث أن هذه الحادثة البسيطة أطلقت ثورة البنسيلين والبيتالاكتام وأول مضاد حيوي حقيقي حيث انها أنقذت العالم من أمراض لم يكن لها علاج آنذاك.
2- فطرعفن الأسبرجيلوس
هذا الفطرمفيد جدًا في الصناعات حيث ان أنواع منه تنتج أحماض عضوية مثل حمض الستريك (الليمون) المطلوب في الطعام والدواء ويصنع أيضًا إنزيمات مهمة تدخل في عدة صناعات غذائية وكيميائية.
ثالثًا: الميكروبات وصناعة الأدوية
الميكروبات اصبحت في قلب صناعة الدواء الحديثة ولم يتوقف الأمرعند البنسلين أوالستربتوميسين وما زال اليوم العلماء يعدّلون البكتيريا والخمائروراثيًا ويجعلونها مصانع حيوية لإنتاج علاجات دقيقة مثل الإنسولين أو هرمونات علاجية وهذه التقنية تمكننا من إنتاج البروتينات بأمان ونقاء وبدون تعقيدات التصنيع التقليدي.
رابعًا: الميكروبات واللقاحات
الكائنات الدقيقة هي أساس علم اللقاحات والجراثيم أوالفيروسات الضعيفة التي تدخل الجسم وتدرب جهازالمناعة بدون أن تسبب المرض ويصبح جسم الإنسان حصينًا بعدها فلقاح الجدري مثال واضح حيث بفضله انتهى وباء الجدري عالميًا ومن خلال نفس الميكروبات طوّرالعلماء لقاحات لأمراض عديدة غيرت خارطة الصحة العامة حول العالم.
خامسًا: الخمائر... حكاية حياة مع الإنسان
أن الخمائرشريكة الإنسان من آلاف السنين خصوصًا في صناعة الخبزوبفعلها يتخمرالعجين وينتفخ فلذلك اصبحت جزءًا من وصفات الطعام الشعبي في كل مكان وليس هذا فقط في مصانع اليوم حيث أن الخمائرتنتج أدوية وإنزيمات ومواد غذائية وصناعية مختلفة فهذه العلاقة قديمة ولكنها تطورت ووسّعت دائرة الاستخدام مع التقدم العلمي.
سادسًا: ميكروبات تصنع الفيتامينات والمواد الحيوية
أن بعض الميكروبات تصنع مركبات يحتاجها الإنسان مثل الفيتامينات والإنزيمات وبفضل التخميرالميكروبي اصبحت الصناعات قادرة على إنتاج هذه المواد بكميات ضخمة ونقاء ممتازوالأمرهنا يكمن في التحكم الذكي بالظروف حيث درجة الحرارة والحموضة ونوع الغذاء المضاف حتى تخرج منتجات بجودة عالية.
سابعًا: صداقة الإنسان والميكروبات
أن الجسم البشري ليس ملكًا لنا وحدنا فأن هناك بلايين الميكروبات تعيش معنا يشكلون ما يُعرف بالميكروبيوم خاصة في الجهازالهضمي وبعض هذه الكائنات تلعب دورًا في الهضم وصناعة بعض العناصرالغذائية وحتى تنظيم المناعة وهنا العلاقة متوازنة ولوانها اختلت فأنه تبدأ المشاكل الصحية.
ثامنًا: الميكروبات وصناعة الغذاء التقليدي
أن أشهرالأطعمة حول العالم جاءت من الميكروبات مثل اللبن المخمّروالجبن والخبزوالمخللات والخل والقائمة تطول بمنتوجاتها الكثيرة حيث أن الميكروبات في التخميرتغيّرالطعم والقوام وتحفظ الطعام من التلف وبدونها تفقد ثقافات كثيرة أطباقها التقليدية من الطعام المذكور.
تاسعًا: ميكروبات تحمي البيئة
الميكروبات جزء أساسي في دورة الطبيعة فأنها تحلل المواد العضوية وتعيد تدويرالعناصرالمهمة والبكتيريا والفطريات تنظف البيئة وتدخل في دورات الكربون والنيتروجين وتستخدم في معالجة الصرف الصحي وحتى في ترميم التربة أوالمياه الملوثة باستخدام قدراتها الطبيعية الاستقلابية .
عاشرًا: ميكروبات... مصانع المستقبل
اليوم العلماء يتوجهون لاستخدام الميكروبات لإنتاج أدوية ومواد غذائية بطرق أكثرأمانًا وكفاءة والهندسة الوراثية جعلت بعضها قادرًا على إنتاج مركبات نادرة أو مستحيلة التصنيع كيميائيًا والمستقبل يَعِد بابتكارات مذهلة بفضل هذه الكائنات الدقيقة مثل أدوية جديدة وأغذية خاصة ومواد متحللة بيئيًا وتطبيقات لم نتخيلها أمس.
الخاتمة
العالم المجهري ليس مجرّد كائنات صغيرة تسبّب الأمراض فأنه عالم زاخربالنشاط والحياة والفرص وصحيح أن بعض الميكروبات كانت سببًا لكوارث الصحية والبيئة ولكن في الجهة المقابلة هناك ميكروبات أنقذت البشرية ودفعتنا خطوات هائلة إلى الأمام في الصحة والتغذية والبيئة.
قصة البنسلين وحدها أكبردليل أن الميكروبات أحيانًا تكون أملًا أكثرمنها مصدرخوف والإنسان تعلم كيف يسخّرهذا العالم المجهري لصالحه حين فهمه وتعامَل معه بعلم لا بخوف.
باختصارفأن عالم الميكروبات مليء بالإمكانات المدهشة وكائنات صغيرة جدًا ولكن أثرها ضخم بل غيّرت مجرى تاريخ الإنسان فهذا هوالوجه المشرق لعالم لم تره أعيننا ولكنه كتب قصته في حياة كل واحد منا.