اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

النبابته يكتب "من أمن النفط إلى أمن المنتجات المكررة.. فرصة الأردن"

الأحد-2026-10-04 12:18 pm
جفرا نيوز -
بقلم: حامد النبابته مستشار سابق لوزير الطاقة

ليست أزمة الديزل خللاً في سوق الوقود وحده، بل مرآة تكشف كيف يلتقي الاقتصاد بالجغرافيا السياسية في نقطة واحدة. فالعالم لا يعاني اليوم نقصاً في النفط، إذ يعود الخام تدريجياً إلى الأسواق، وإنما ينقصه القدرة على تحويله إلى وقود يصل إلى الشاحنة والمصنع والمزرعة في الوقت المناسب وبسعر يحتمله الاقتصاد. وحين تتعطل هذه القدرة يتجاوز الأثر الأسعار إلى موازين القوة: فمن يملك المصافي والموانئ والممرات والمخزونات يملك هامش القرار، ومن لا يملكها يدفع الثمن. هذه هي القصة الحقيقية لخريف 2026، وهي تطرح سؤالاً أعمق من الديزل نفسه: ماذا يعني أمن الطاقة حين تتعطل حلقة واحدة من سلسلة طويلة، وأين يقف الأردن من ذلك؟

سلسلة الإمداد: حين تنكسر حلقة واحدة

بدأت الأزمة صدمة جيوسياسية عطّلت الملاحة في مضيق هرمز، الممر الذي كان يحمل نحو ربع تجارة النفط البحرية، ثم تحولت إلى أزمة في المنتجات المكررة. فقد هبط إنتاج المصافي العالمي بنحو أربعة ملايين برميل يومياً عن العام الماضي، وبلغت هوامش التكرير في الأطلسي مستويات قياسية، وبقيت تدفقات الديزل مقيّدة رغم تعافي صادرات الخام.

وهنا الفكرة المركزية: الخام بداية السلسلة لا نهايتها. فالبرميل يمر بالمصفاة ثم المعالجة فالتخزين فالنقل فالميناء أو الأنبوب ثم السوق. وأي اختناق في حلقة واحدة يرفع سعر المنتج النهائي مهما بلغت وفرة الخام. ولهذا استنفدت دول الوكالة أكثر من ثمانين بالمئة مما التزمت بطرحه من مخزوناتها الطارئة، واتفقت مجموعة السبع وشركاؤها على طرح منسق إضافي يقدّم الديزل على ما سواه.

الاحتياطي الاستراتيجي يشتري الوقت، لكنه لا يصلح مصفاة، ولا يفتح مضيقاً، ولا يعوّض ميناءً متوقفاً.



أولاً: البعد الاقتصادي، لماذا الديزل تحديداً؟



لأن الديزل ليس وقوداً للسيارات بقدر ما هو وقود للاقتصاد الحقيقي: الشاحنات والجرارات والمعدات الثقيلة والموانئ . وحين يرتفع سعره ترتفع كلفة النقل، فتغلو المدخلات الغذائية والصناعية، وتتصاعد كلفة الإنتاج، ثم تصل الموجة إلى المستهلك في صورة تضخم. ولذلك فالقضية اقتصاد كلي قبل أن تكون قضية طاقة.

وللأزمة أسباب متراكبة لا سبب واحد. فهناك الصدمة الجيوسياسية التي ضربت الملاحة، وهناك الاختناق الصناعي في المصافي والموانئ، وهناك سلوك الدول حين تضيق المخزونات: ترتفع الأسعار فتُغري المصافي بالتصدير.



ثانياً: البعد الجيوسياسي، حين تصبح المصافي والممرات أوراق قوة



تكشف الأزمة تحولاً هادئاً في معنى النفوذ. فقد كان النفوذ الطاقي يُقاس بما تنتجه الدول من الخام، أما اليوم فيُقاس بمن يملك المصافي والموانئ وسعات التخزين والناقلات، وبمن يستطيع أن يوصل المنتج إلى السوق في الوقت المناسب. لقد انتقلت القوة من منابع النفط إلى من ينظّم تدفقه، ومن يملك الخام إلى من يملك الطريق.

وأول ما أظهرته الأزمة هشاشة البوابات البحرية. فمضيق هرمز، الذي يعبره نحو ربع تجارة النفط البحرية، أثبت أن ممراً واحداً قد يربك اقتصادات تبعد عنه آلاف الكيلومترات، وأن مضيق باب المندب يقف خلفه بوصفه البوابة التالية التي يخشى السوق أن تضطرب. وحين تضيق البوابات البحرية يعود العالم إلى سؤال قديم بثياب جديدة: أين الطرق البديلة؟ ويستعيد الممر البري وخط الأنابيب والميناء الذي يفتح على أكثر من بحر قيمتهما الاستراتيجية، لا بوصفها بدائل رخيصة بل بوصفها تأمين بقاء.

وفي الأطلسي تظهر صورة أخرى. فأوروبا تعتمد على الديزل الأمريكي في جزء كبير من وارداتها، وأمريكا تصدّر بينما مخزوناتها دون متوسط سنوات، فصار الطرح المنسق للمخزونات الطارئة أقرب إلى إدارة مشتركة للضغط منه إلى مساعدة. وفي الشرق تراقب آسيا شحنات المنتجات بقلق، وتفيد التقارير بتقليص الصين صادراتها، فتتحول المنافسة على الشحنات إلى جزء من حسابات الأمن القومي. وهكذا يتشكل نظام جديد غير معلن، تُقاس فيه الدول بقدرتها على الصمود وعلى ضمان وصول الإمداد، لا بما تملكه في باطن أرضها..



ثالثاً: الأمن الاقتصادي ودور الأردن الاستراتيجي

وفي هذا المشهد تتبدل قيمة الجغرافيا. فالدولة التي تقع على تقاطع المسارات وتوفر طرقاً بديلة وتخزيناً موثوقاً وعلاقات متوازنة تصبح مطلوبة لا لأنها تنتج الطاقة، بل لأنها تضمن وصولها. وهنا تبرز ميزة الأردن:



موقعه بين العراق والخليج والبحر الأحمر والمتوسط، وسياسته المتزنة التي تجعله شريكاً مقبولاً لأطراف متعددة. إنها الوسطية التي تحولت في زمن الاضطراب من قيمة سياسية إلى ميزة اقتصادية.

الأردن مستورد صافٍ للطاقة، ولا يتحكم في سعر النفط ولا في أمن الممرات البحرية. لذلك تصل إليه الأزمة عبر ثلاث قنوات:



فاتورة الاستيراد التي تثقل الموازنة وميزان المدفوعات، وكلفة النقل التي تنعكس على الغذاء ومواد البناء والتجارة، وهشاشة التوريد إذا طال الاضطراب وتأخرت الشحنات أو ضاقت الخيارات.

لكن الصورة ليست قاتمة. فالأردن لا يبدأ من الصفر، إذ يملك مخزوناً استراتيجياً يغطي أسابيع بل شهرين في معظم المشتقات، وبنية تخزين ومناولة قائمة في العقبة ومأدونة والزرقاء. وأضعف حلقاته الغاز المسال، وهذا يحدد أولوية العمل الأولى. أما الدرس الأهم فهو أن المخزون وحده لا يصنع الأمن، فخزان بلا قدرة على النقل والتوزيع ليس أمناً حقيقياً.

تقدم الأزمة حجة اقتصادية جديدة لما ظل الأردن يردده منذ سنوات: قيمة موقعه ليست في أنه ممر، بل في أنه ممر متعدد المسارات. والعالم اليوم يدفع ثمن الاعتماد على مسار واحد،

وتبدو الخطوات الأولى واضحة:

◆ العقبة بوابةً للطاقة لا ميناءً فقط: منتجات وغاز مسال وتخزين وخلط وتحميل طارئ وإعادة تصدير، بما يجعلها نقطة دخول موثوقة للمنطقة.

◆ شبكة تخزين متكاملة بتشغيل واحد: تربط العقبة بماضونه والزرقاء وعمّان، وتبدأ بالغاز المسال ثم الديزل، ويمكن تمويل جزء منها بتأجير سعات تجارية للمتداولين في الإقليم إلى جانب المخزون السيادي.

◆ تنويع المصادر والمسارات والعقود: فمن لا يملك إلا مورداً واحداً أو طريقاً واحداً يملك أمناً مؤقتاً فقط.

◆ تقليل الحساسية للوقود السائل: عبر توسيع الغاز المحلي وربط الشبكة الغازية بمصادر متعددة، ومواصلة التوسع في الشمس والرياح والتخزين، وتحديث النقل بالسكك والكهرباء.

◆ الارتباط بممر الطاقة الإقليمي: فمنظومة العراق ـ الأردن ـ العقبة ـ الأسواق، بما فيها من نفط ومنتجات وغاز وكهرباء وهيدروجين وأمونيا وسكك، تنقل الأردن من موقع المستورد الذي يحمي نفسه إلى موقع المشارك في حل أمن الطاقة الإقليمي.



فالسؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه صانع

القرار ليس كم نملك، بل كم يوماً نصمد، ومن أين تأتي الشحنة التالية، وماذا نفعل إن تعطل المسار .

الأزمة لا تقول إن العالم نفد منه النفط، بل إن الخام وحده لا يكفي. وقد استُخدمت المخزونات لعبور الصدمة، وبدأت تتآكل، فصار السؤال التالي: كم يصمد اقتصادنا إذا طال الاضطراب؟ والأردن لا يملك أن يغيّر مسار الأزمة، لكنه يملك أن يقرر كم يوماً يصمد اقتصاده، وكم مصدراً يستبدل، وكم طريقاً يفتح. وبهذا يتحول ما بدأ تحدياً إلى مشروع وطني يجمع الأمن والاستثمار والدور الإقليمي، بل وجزءاً من الإجابة التي ينتظرها الإقليم.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير