اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

بلاغة السؤال حين يصنع موقفًا... "هل سنتحرّك؟"

الخميس-2026-10-01 01:58 pm
جفرا نيوز -
بقلم: الدكتورة جمانة مفيد السّالم

يُعدّ السؤال: "هل سنتحرك؟" واسطة العقد بين أسئلة عديدة حفل بها خطاب جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين في الجلسة الافتتاحية لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، أيلول 2026، ولمَعَتْ بين سطوره كالدّرر. أسئلة تلفت المتلقي، وتستوقفه؛ لأنها لا تستدعي إجابة عادية، بل تصنع موقفًا؛ فتبدو، في الواقع، أبلغ من أي إجابة.

أحد هذه الأسئلة استحق وصْف جلالته له بأنه "جوهري"؛ لأنه يكشف لمتلقّيه مفارقة مثيرة، وينقله من مجرّد إنسان منتبه لما يدور حوله، إلى إنسان قادر على توجيه مساءلة قانونية مشروعة للقانون الدوليّ نفسه: "إذا كان من الممكن تجاهل القانون الدولي لعقود، فماذا تبقّى من قيمته؟ وكيف يمكننا تطبيقه إن لم نعترف حتى بانتهاكاته؟".

ثمّ يأتي سؤال آخر يتطلّب - من وجهة النظر البلاغية – الإجابة بـِ(نعم) أو (لا)؛ ليتبيّن أن الإجابة عنه كامنة في دلالات الاستياء والاستهجان التي يحملها، كاشفًا التناقض بين الوصف والممارسة، وهو ما أكّدته العبارة التي مهّدت له في الخطاب: "ولم يعُد السؤال عن انتهاك مجموعة من المتطرفين للقانون، بل يصبح السؤال: هل هذا فعلًا سلوك دولة ديمقراطية يحكمها القانون؟".
أما السؤال الذي يلمع في منتصف الخطاب فنجده سؤالًا مفتوحًا، مسبوقًا بجملة فعلية، فعلها مضارع يفيد الاستمرار والتجدّد: "ويبقى السؤال الآن: هل سنتحرّك؟"، موجِّهًا العالم من خلال الضمير الجمعي في (نتحرّك) إلى وجوب الانتقال من مجرّد الوعي بما يحدث، إلى الفعل المقاوم لما يحدث، بدافع المسؤولية المشتركة، وانطلاقًا من التّبعات السلبيّة لما يجري، وما يتصل بها من تحديات تطال الجميع، لفت جلالته الأنظار إليها في مستهلّ خطابه، ودَقّ بشأنها ناقوس الخطر حين سأل: "هل سيدوم انتباهنا بما يكفي للتصدي لهذه التحديات؟".

وإمعانًا في توصيف فداحة الاستمرار في السكون وعدم التحرّك، يطرح جلالة الملك سؤالًا متخيّلًا، تكمن بلاغته في افتراض أنه يدور في ذهن الحكومة الإسرائيلية، ثم نفي حاجتها إلى طرحه؛ فيكون السؤال أداة لكشف منطقها في الإفلات من العقاب؛ "فهي لم تعد ترى نفسها مضطرة حتى إلى التساؤل "هل يمكننا الإفلات بهذا؟" لأنها تعرف الإجابة مسبقا"، ويجيء التوجيه واضحًا في سؤال مباشر أخير يطرحه الخطاب، يعيدنا إلى سؤال جلالته المفصلي: "هل سنتحرك؟"، يوجهه إلى المجتمع الدوليّ برمّته، في دلالة على اتساع حجم المسؤولية، ووجوب المشاركة دوليًّا في إيجاد حلّ لها: "والسؤال هنا هو: إذا استمرت إسرائيل بنهجها العدواني في جنوب سوريا، هل سيدعها المجتمع الدولي تتمادى في ذلك دون أن يحرّك ساكنا؟".

ولا يمكن لمن تلقّى خطاب جلالة الملك عبد الله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن يتجاهل تزامنه تقريبًا مع كلمة جلالة الملكة رانيا العبد الله في جلسة حوار على هامش اجتماعات الجمعية، بعنوان (الطفولة في الاحتجاز): حوار رفيع المستوى حول الاحتجاز العسكري للأطفال الفلسطينيين، خاطبت فيها الضمائر الإنسانية، واستثارت المشاعر والأحاسيس، وقد جاء فيها "تخيلوا طفلًا محبوسًا في زنزانة، مرعوبًا ووحيدًا، لمدة 45 دقيقة. يبكي، ويعتذر، ويضرب على الجدران، وينادي والديه... لكن 45 يومًا؟ كيف لنا أن نتخيل ذلك؟"؛ لنجد أنها في وصفها السابق جعلت المتلقي يعيش حالة طفل محبوس 45 دقيقة، ثم فاجأته بسؤال تعجبيّ استنكاريّ يكشف العجز عن التخيل، فيجلّي صورة من صور البلاغة: "لكن 45 يومًا؟ كيف لنا أن نتخيل ذلك؟".

وفي سؤال آخر تطرحه جلالة الملكة رانيا في كلمتها، تتجلّى صورة من صور المفارقة البلاغية المؤثرة، تقول فيه: "وأنا حقاً لا أفهم. ما الذي يثير كل هذا الرعب من الأطفال الفلسطينيين؟"؛ وهو سؤال استنكاري تعجبي، تجتمع فيه لفظتان يبدو بينهما تناقض وعدم انسجام، هما: (الرعب والأطفال)، ليكشف السؤال عن مفارقة أخلاقية سلّطت جلالتها الضوء عليها، وسعت لإثارة الانتباه نحوها، بتعمّدها تأكيد عدم فهمها هذه المفارقة؛ وبذلك وجدنا أنفسنا من جديد، أمام مجموعة من الأسئلة استطاعت أن تفعَل – بلاغيًّا – أكثر ممّا تفعله الجمل الخبريّة التقريرية؛ لأنها تجاوزت الإخبار والتقرير وصولًا إلى تحديد المسؤوليات، وتفعيل الأدوار.

وفي الختام، نحوّل أبصارنا وأسماعنا من جديد إلى خطاب جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، الذي سيبقى حاضرًا في الأذهان، حيًّا في القلوب؛ لأنّ رسائله التي تخاطب الوعي لم تنتهِ، وأسئلته التي توقظ العقول لن تتوقف، بل ظلّت حتى سطوره الأخيرة، وستظلّ تراهن على وعي المتلقي، وتوجّه انتباهه، وتدعوه إلى التحرّك، وإن لم ينطق بها جلالته بشكل مباشر: "وفي عالم يتنافس على انتباهنا، علينا أن نعي أين نوجهه، وأن نتيقظ ممن يحاول تشتيته؛ فالمستقبل لا يتشكل بما نفعله فحسب، بل بما نختار أن نتجاهله أيضًا.".

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير