اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

صناعة الغاز في الأردن.. من خط عبور إلى منصة وطنية مستدامة وأفق 2033

الأربعاء-2026-09-30 01:16 pm
جفرا نيوز -
بقلم: حامد النبابته مستشار سابق لوزير الطاقه ومستشار سابق في صندوق الاوبك

الملخص التنفيذي


الأردن لا يملك اليوم الأنبوب الذي يعبر أرضه، وأمامه سنوات قليلة ليقرر: هل يكون شريكاً مالكاً يُدير حركة الغاز، أم يتسلّم أصلاً جاهزاً لم يتهيأ لتشغيله؟ فالجزء الأردني من خط الغاز العربي، وهو نحو 393 كم من العقبة إلى الرحاب، تملكه وتشغّله شركة فجر الأردنية المصرية التابعة لشركة فجر المصرية، وتنتقل ملكية بنيته التحتية إلى الحكومة في عام 2033 وفق تصريح وزير الطاقة عام 2022.

وتوصي هذه الورقة بخمسة قرارات مترابطة:

أولاً، شراكة في الملكية. أن يدخل الأردن شريكاً مالكاً في فجر منذ الآن، ويفاوض على الاستحواذ على رأسمالها، ويُعلن إطار ذلك في مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي في تشرين الثاني 2026.

ثانياً، شركة وطنية للغاز.
أن تتولى شركة الغاز الأردنية الوطنية إيصال الغاز إلى المنشآت والمصانع الأردنية بدلاً من شركات مصرية، مع صون العقود القائمة وتدرّج الانتقال.

ثالثاً، بديل تركي.
أن يدفع الأردن نحو ربط خط الغاز العربي بتركيا عبر سورية، ليكون مساراً بديلاً للاستيراد إذا اقتضت الحاجة.

رابعاً، غاز العراق. أن تُدرس جدوى ربط حقل الريشة بغاز العراق، ومنه حقل عكاز في الأنبار.

خامساً، منطق الشراكة. أن يُدار ذلك كله مع مصر شريكاً في مسار العبور لا خصماً، وبترتيب زمني هادئ يسبق عام 2033.

خط الغاز العربي في عام 2026

لا يُحسن الخطاب العام توصيف أهم أصل غازي يعبر الأردن: خط الغاز العربي، الذي يعمل منذ عام 2003. وفي عام 2026 لم يعد هذا الخط ذكرى مشروع قديم؛ فقد بدأ الأردن توريد الغاز إلى سورية عبره مطلع العام بموجب اتفاق ثنائي، ووُقّع في أيار اتفاق ثلاثي مع سورية ولبنان، وأقرّ مجلس الوزراء خطة لتزويد لبنان عبر ميناء العقبة والأراضي السورية. وفي الوقت نفسه مُدّد امتياز حقل الريشة حتى عام 2061، وأُطلق مشروع يربطه بالخط العربي يُستهدف تشغيله بحلول عام 2029.

هل نتعامل مع هذا الأصل كأنبوب نستقبل عبره ما يأتينا، أم كعمود فقري لمنصة وطنية نُدير عبرها حركة الغاز؟

من يملك الخط في الأردن؟

الجزء الأردني من الخط لم يُبنَ بيد أردنية ولا يملكه الأردن اليوم. فقد تأسست شركة فجر الأردنية المصرية لنقل وتوريد الغاز الطبيعي عام 2003، وهي تابعة لشركة فجر المصرية، وتنفذ وتشغّل المرحلة الثانية من الخط حتى الحدود السورية بترخيص مدته ثلاثون عاماً قابل للتمديد عشر سنوات. وأُنشئت الشبكة بنظام البناء والتملك والتشغيل ثم النقل، وهي تغذي إحدى عشرة محطة كهرباء. وهذه شراكة أدّت وظيفتها؛ فهي التي جعلت الغاز عماد توليد الكهرباء في المملكة، ويُحسب لها ذلك وكان من المفروض أن يتم الشركه في رأسمال الشركه المصريه من قبل الحكومه الأردنيه في ذلك الوقت

أما المساهمون، فتشير البيانات المنشورة عند التأسيس إلى جهات مصرية حكومية وشبه حكومية، منها وزارة المالية المصرية والبنك الاستثماري الوطني والشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس) وجاسكو وبتروجت وإنبي..

وتتولى تشغيل الخط منذ آذار 2019 الشركة الفنية لخدمات تشغيل خطوط الغاز، وهي ائتلاف شركات من قطاع البترول المصري.

سنة 2033
هذا الأصل مؤقت الملكية بحكم تصميمه. فقد صرّح وزير الطاقة عام 2022 بأن ملكية بنية فجر التحتية ستنتقل إلى الحكومة عام 2033، وأن الحصرية الممنوحة للشركة انتهت. أي أن الأردن مقبل على تسلّم أصل استراتيجي، وأمامه سنوات قليلة ليقرر: هل يتسلّمه وهو مستعد، أم يتسلّمه وهو يتعلم

القرارات الاستراتيجية. وذلك لتحقيق الاستدامة

القرار الأول: شراكة في ملكية فجر ثم الاستحواذ على رأسمالها
ينبغي أن يبدأ الأردن بدخول مالك في فجر، ثم يفاوض على الاستحواذ على رأسمالها كله أو أغلبيته، على أن يُنسَّق ذلك مع مسار انتقال الملكية إلى الحكومة عام 2033. وتقوم الحجة التفاوضية على أمرين: أن قيمة حصة في ترخيص يقترب من نهايته تتناقص كلما اقتربنا من 2033، وأن قيمة الشركة الحقيقية في فريقها التشغيلي وعقودها وعلاقاتها التمويلية، لا في الأنبوب وحده. وهذا يفتح أمام الطرف المصري خروجاً منظماً بثمن عادل، ويفتح أمام الأردن دخولاً مبكراً بثمن أقل.
ولهذا يصلح مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي في تشرين الثاني إطاراً للإعلان: عرض لمذكرة تفاهم مع مؤسسات تمويل أوروبية شريكة، تغطي هيكلة الاستحواذ وتمويله، وتعطي الصفقة معايير حوكمة معترفاً بها، من غير أن تفرض على أحد ما لم يقبله.

القرار الثاني: شركة وطنية تُوصل الغاز إلى المنشآت والمصانع
الأصل في سلسلة القيمة أن يكون من يخدم المصنع الأردني والمنشأة الأردنية جهة أردنية مرخّصة تتحمل المسؤولية أمام الدولة وأمام العميل. أما اليوم فتقوم شركات مصرية بجانب من هذا الدور، من خلال اتفاقيات لتزويد القطاع الصناعي الأردني عبر الخط العربي، وأخرى لشبكات المدن الصناعية. وليس في هذا عيب في ذاته، لكنه يعني أن قرار التسعير والأولوية والتوسع في الشبكة يُتخذ خارج الأردن في جزء منه.
والمقترح أن تتولى شركة الغاز الأردنية الوطنية هذا الدور تدريجياً: تبدأ بأنابيب التوزيع وربط المصانع، وتتسلّم التسويق والعقود مع المستهلكين الصناعيين عند انتهاء العقود القائمة أو بالتراضي، وتبني بذلك سجلاً تجارياً يقنع الممولين. ويحفظ هذا الترتيب حقوق الشركاء الحاليين، ويجعل الانتقال زمنياً لا صدامياً.

القرار الثالث: ربط الخط العربي بتركيا ليكون بديلاً للاستيراد
يعمل اليوم خط كيليس – حلب الذي يُدخل الغاز الأذري إلى سورية من تركيا، وقد جرى تجديده عام 2025 بتمويل قطري، وبقدرة أولية تصل إلى مليارَي متر مكعب سنوياً. وما ينقص لربط هذا الخط بالخط العربي هو الحلقة بين حمص وحلب، إضافة إلى ترتيبات عكس الاتجاه والضغط والرسوم. وإذا اكتمل الربط صار للأردن، عند الحاجة إلى استيراد الغاز، مسار شمالي يضاف إلى مسار العقبة: غاز مسال من الجنوب، وغاز أنابيب من الشمال، وشبكة واحدة تجمعهما.
وهذا لا يعني الاستغناء عن الغاز المصري، بل ألا يكون الأردن أسير مسار واحد. وتكفي لتبرير الدفع بهذا الخيار سنوات اضطراب الإمداد المصري التي عرفها الأردن مطلع العقد الماضي، وما كلفته على الكهرباء الوطنية.

القرار الرابع: دراسة ربط حقل الريشة بغاز العراق
يقع حقل عكاز في محافظة الأنبار غرب العراق، جنوب مدينة القائم قرب الحدود السورية، وتُقدَّر احتياطياته بنحو 5.6 تريليون قدم مكعبة، ويُعد من أكبر حقول الغاز في العراق. وقد بدأت بغداد أعمال الحفر فيه في كانون الثاني 2026، وخوّل مجلس الوزراء العراقي في تموز 2026 وزارة النفط ببدء مباحثات لتطويره. وفي الجانب الأردني يُنتظر أن يرتبط حقل الريشة بالخط العربي بحلول عام 2029.
وتقتضي دراسة الجدوى أن تجيب عن ما هو المسار الأقصر والأكثر أماناً للوصل بين الأنبار والشبكة الأردنية؟ وما الإطار التعاقدي والتمويلي الذي يجعل الأردن ممراً ومنصة تجميع لا مجرد ممر؟.

خلاصة
الدول لا تصبح محاور طاقة بامتلاك الأنابيب وحدها، بل بامتلاك القدرة على إدارتها. وأمام الأردن سنوات ليصنع تلك القدرة: مالكاً في فجر، وشركة وطنية توصل الغاز إلى مصانعه، ومسارين بديلين شمالاً وشرقاً.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير