جفرا نيوز -
د_عبدالله محمد أطبيقه
قسم الإعلام جامعة سرت دولة ليبيا
لم تكن انطلاقة شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي مجرد طفرة تقنية، بل وُعدت الإنسانية حينها بعصر ذهبي من الانفتاح، والتقارب بين الشعوب، وبناء القرية الكونية التي تذوب فيها الحدود وتُسمع فيها أصوات المهمشين ، غير أن هذا الوعد البراق سرعان ما اصطدم بظلال قاتمة؛ إذ تحولت هذه المساحات الاستراضية المفترضة للتعارف والتبادل الثقافي، في كثير من الأحيان ، إلى حلبات صراع ومنابر يبث منها التحريض على العنف وخطاب الكراهية.
من صلة الرحم الافتراضية إلى تجارة الغضب
كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من النظر في النموذج الاقتصادي الذي بنيت عليه معظم المنصات الرقمية الكبرى. تعتمد هذه الشبكات على ما يُعرف بـاقتصاد الانتباه حيث الاستمرارية والبقاء متصلين بالشاشة هما المعيار الأول للربح ، وهنا تتدخل الخوارزميات؛ أثبتت الدراسات التقنية والسلوكية أن المحتوى الذي يثير المشاعر الحادة—وعلى رأسها الغضب والاستفزاز والخوف—يحقق نسب تفاعل ومشاركة أضعاف المحتوى الهادئ أو العقلاني. ونتيجة لذلك، أصبحت الخوارزميات، عن قصد أو غير قصد، مكافئة للمحتوى التحريضي برفع نسبة وصوله (Reach)، بينما تُهمش الأصوات الداعية إلى التهدئة والحوار.
غرف الصدى والجيوش الإلكترونية
لم يتوقف الأمر عند حدود الخوارزميات، بل تعداه إلى تشكيل ما يُسمى بـغرف الصدى في هذه البيئات الافتراضية، يُحاط المستخدم بأشخاص وآراء تشابه معتقداته تماماً، مما يعزز التعصب ويجعله غير قادر على تقبل الآخر ، وفي وسط هذه العزلة الفكرية، يسهل شحن الجماهير وتغذية مشاعر العداء ضد الجماعات الأخرى، سواء كانت ذات خلفيات عرقية، أو دينية، أو سياسية مختلفة.
علاوة على ذلك، أصبحت المنصات الرقمية مسرحاً لعمليات منظمة تقودها الجيوش الإلكترونية والذباب الرقمي عبر حسابات وهمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي (مثل التزييف العميق Deepfakes) تُستخدم هذه الأدوات لتلفيق المقاطع، ونشر الأخبار الكاذبة، وشيطنة الخصوم، وتكثيف حملات الكراهية بطريقة موجهة وممنهجة.
من الشاشة إلى الشارع: التداعيات الكارثية
إن أخطار التحريض الرقمي لا تبقى حبيسة الأجهزة الذكية، بل تتسرب سريعاً لتشعل الحرائق على أرض الواقع ، لقد شهد العالم أجمع حوادث أليمة تحول فيها التعبئة الرقمية إلى اعتداءات جسدية، وعنف طائفي، وجرائم كراهية، وحتى حروب أهلية وإبادات جماعية كما حدث في بعض مناطق العالم.
على المستوى الاجتماعي، يمزق التحريض الرقمي نسيج المجتمعات ويقضي على السلم الأهلي، حيث يُستبدل الحوار الوطني المباشر بالاستقطاب الحاد، وعلى المستوى النفسي، يخلق هذا الجو المحتقن حالة من الخوف الخوف والمقت المتزايد لدى الأفراد، ويؤدي إلى تفشي ظواهر التنمر الرقمي والاضطرابات النفسية.
معضلة التوفيق: حرية التعبير أم ضبط المحتوى؟
تقف المجتمعات والدول اليوم أمام معضلة معقدة: كيف نكافح التحريض على العنف دون المساس بجوهر حرية التعبير؟
من جهة، تُلام شركات التقنية الكبرى بتقصيرها في عملية الإشراف على المحتوى ، ولا سيما في اللغات واللهجات غير الإنجليزية، حيث تعجز الأنظمة الآلية والفرق البشرية عن فهم السياقات الثقافية والتعريض اللفظي. ومن جهة أخرى، يُخشى أن تتحول القوانين الصارمة لمكافحة الجرائم السيبرانية إلى ذريعة للرقابة الحكومية وقمع الآراء المعارضة.
طريق الخروج: مسؤولية مشتركة
إن مواجهة الفتنة الرقمية لا يمكن أن تتم عبر حل أحادي، بل تتطلب مقاربة شاملة تتكامل فيها الأدوار:
1_ الشركات التكنولوجية: إصلاح نماذج الخوارزميات لتقليل تحفيز المحتوى العنيف، وتطوير أدوات شفافة ومحايدة لكشف خطاب الكراهية، وزيادة الاستثمار في الإشراف البشري الواعي بالسياقات المحلية.
2_ الرقابة التشريعية: سن قوانين حازمة تُحمّل المحرضين والمنصات التقنية المسؤولية القانونية والمادية عند تساهلها مع دعوات العنف الصريحة.
التربية الإعلامية والرقمية: إعادة بناء وعي المستخدمين من خلال مناهج وحملات توعوية تعزز التفكير النقدي، وتدرب الأفراد على التحقق من مصادر المعلومات قبل نشرها، ورفض الانسياق خلف خطاب الاستفزاز.
خاتمة
إن المنصات الرقمية في أصلها مجرد أدوات، وأدوات الاتصال ليست شريكة في الفتنة بطبيعتها، بل بالأسلوب الذي تُدار وتُستخدم به ، إن حماية الفضاء الافتراضي من التحريض على العنف لم تعد مجرد رفاهية تقنية، بل أصبحت ضرورة ملحة لحماية دماء البشر وحفظ أمن المجتمعات واستقرارها.