اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

إذا كان القرار ليس قرارك.. فلماذا أنت مسؤول؟

الإثنين-2026-09-28 01:35 pm
جفرا نيوز -
باسمة وليدات 

ثمة جملة تتناسل في المكاتب الرسمية كلما تعثر قرار أو انكشف سوء تنفيذه: "القرار مش من عندنا"، تقال همسا، وبنبرة توحي بأن صاحبها يعرف ما لا نعرفه، وأن علينا أن نفهم وحدنا أن يدا أعلى منه مررت القرار، وأن الرجل الذي يحمل لقب "مسؤول" لم يكن مسؤولا عن شيء.

حسنا، إذا كان القرار ليس قرارك، والمشورة ليست مشورتك، والتنفيذ لا تملك الاعتراض عليه، فلماذا أنت مسؤول؟

ثلة ليست قليلة تمسك بمفاصل مهمة من الدولة، وحين تحاور بعض أفرادها تستغرب كيف وصلوا إلى مواقعهم. موزعون بين ما يعرفونه وما يستطيعون قوله، وبين ما يدافعون عنه في العلن وما يهمسون بعكسه في الغرف المغلقة.

وحين يفشل أمر كانوا جزءا من صناعته أو تنفيذه، تبدأ الإيماءات: "أنتم فاهمين"، "الموضوع أكبر مني"، "القرار جاء من فوق".
وهكذا يصبح "فوق" شماعة واسعة تكفي أخطاء الجميع. لكن المسؤول ليس ساعي بريد، وظيفته أن يشير قبل أن ينفذ، وأن يقول لصاحب القرار: هذا ممكن وهذا مستحيل، هذه كلفته وهذه مخاطره. فالمشورة ليست ترفا إداريا، وهز الرأس بالموافقة ليس مهارة قيادية.

حول صاحب القرار وزراء ومديرون ومستشارون وخبراء لم يوضعوا للزينة. ومن يزيّن الواقع، أو يخفي نصف الحقيقة حماية لموقعه، ثم يخرج بعد الفشل ليهمس بأن "القرار لم يكن قراره"، لا يبرئ نفسه، بل يعترف متأخرا بأنه لم يؤد وظيفته.

والمشكلة تكبر حين يغيب الحساب. عندها تصبح "نعم" أكثر أمانا من الحقيقة، وقد يخبرك المسؤول بعد الكارثة أنه كان يعرف منذ البداية أنها ستقع.

نحن بتنا نفهم الإيماءة قبل التصريح، لكن الدولة لا تدار بالإيماءات، والمسؤولية لا تمارس همسا بعد الفشل.

نريد مسؤولا يخشى المشورة السيئة أكثر مما يخشى المشورة التي لا تعجب. أما أن يكون صاحب إنجاز عند النجاح، ثم يتحول عند الفشل إلى موظف صغير "كان ينفذ فقط"، فتلك حيلة إدارية قديمة: ينجح فيها المسؤولون جميعا، وتفشل القرارات وحدها بلا أب ولا أم.

لذلك، عندما يهمس مسؤول في المرة المقبلة: "القرار مش من عندي"، لا تسألوه ممن جاء.
اسألوه فقط:

وأنت... ماذا كنت تفعل هنا؟
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير