جفرا نيوز -
حامد النبابته | مستشار سابق لوزير الطاقة والثروة المعدنية | مستشار سابق في صندوق الأوبك للتنمية الدولية
الفصل الأول: من منصة الأمم المتحدة إلى اللحظة التاريخية
بين خطابات القادة المتعاقبة على منصة الجمعية العامة، يخرج بين حين وآخر خطاب يتجاوز وظيفته الاحتفالية ليصبح وثيقة تأسيسية يُعاد فيها تعريف الدولة أمام العالم. خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في الدورة الحادية والثمانين كان من هذا النوع النادر، حين افتتح جزءاً محورياً منه بجملة تحمل ثقلاً حضارياً مكثفاً: أن أرض الأردن هي مهد المسيحية، وأن حمايتها مسؤولية يضطلع بها بصفته الإسلامية لا برغم منها.
هذه الجملة وحدها، إذا قُرئت بعين استراتيجية لا احتفالية، لا تصف الماضي فحسب، بل ترسم كيف يريد الأردن أن يُقرأ في المستقبل. هذا المقال محاولة لقراءتها بوصفها تطبيقاً حياً لأول طبقة من طبقات هندسة القرار الاستراتيجي — الرؤية الحضارية للدولة — وأثرها العملي على قدرة الأردن على التموضع في إقليم يعاد تشكيله بسرعة غير مسبوقة.
الفصل الثاني: الوصاية الهاشمية: أصل سيادي لا يُشترى ولا يُستنسخ
في أدبيات هندسة القرار الاستراتيجي، لا تقتصر موارد الدولة على ما يُستخرج من الأرض أو يُبنى من بنية تحتية، بل تشمل أصولاً غير مادية قد تفوق في قيمتها التفاوضية أي أصل مادي. الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس هي المثال الأنقى على هذا النوع من الأصول: شرعية تاريخية تراكمت عبر أكثر من قرن من الزمن، لا يمكن لأي دولة أخرى في الإقليم أن تدّعيها بقرار سياسي آني، ولا أن تشتريها بالمال، ولا أن تستنسخها بحملة علاقات عامة.
هذه الندرة بالذات هي ما يمنح الوصاية قيمتها السيادية. فكل الأصول القابلة للتكرار — خط أنابيب جديد، اتفاقية تجارية، مرفق طاقة — يمكن لمنافس أن يبني مثيلاً لها خلال سنوات قليلة إذا توافرت له الإرادة والموارد. أما شرعية متراكمة عبر أجيال، مرتبطة بذاكرة تاريخية جماعية لدى مليارات البشر، فهي بطبيعتها خارج منطق المنافسة المباشرة. من يملكها لا يحتاج إلى الدفاع عنها بقدر ما يحتاج إلى إدارتها بحكمة.
الفصل الثالث: من الشرعية إلى الاحتواء: الأردن سياج يحول دون انزلاق الإقليم نحو حروب لا طائل منها
المنطقة لم تنزلق تاريخياً نحو حروبها الكبرى بسبب حتمية لا مفر منها، بل غالباً لأن غياب طرف يملك ثقة الجميع ترك مساحة التفاوض تضيق حتى تتحول أي شرارة إلى حريق شامل. حين يفتقر الإقليم إلى فاعل يمكنه التحدث إلى كل الأطراف دون أن يُقرأ انحيازه لأحدها، يصبح التصعيد الخيار الأسهل، لأن لا أحد يخشى تكلفة عزلة دبلوماسية أو خسارة وسيط يثق به الجميع.
هنا تكتسب الشرعية الجامعة التي يحملها الأردن وظيفة تتجاوز الرمزية إلى الاحتواء الفعلي. الأردن الذي توسّط تاريخياً بين أطراف متعارضة، واستضاف قنوات حوار هادئة بعيداً عن الأضواء حين أغلقت مسارات أخرى أبوابها، يقدّم نموذجاً حياً على أن الثقة الجامعة قابلة للتحويل إلى أداة احتواء فعلية، لا مجرد رصيد رمزي يُستحضر في المناسبات.
لكن هذا الدور الوقائي ليس مكتسباً تلقائياً، ولا ثابتاً بحكم التاريخ وحده. فهو يتطلب استثماراً دبلوماسياً مستمراً، ومنصات حوار فعلية، وحضوراً في كل لحظة يُعاد فيها رسم موازين القوى الإقليمية — من مجلس الأمن إلى جامعة الدول العربية إلى المبادرات الثنائية الهادئة. الأردن الذي يسعى إلى أن يكون سياجاً يحول دون مزيد من العدوان والدمار — لا على الإقليم فحسب، بل على العالم بأسره نظراً لتشابك مصالح الطاقة والممرات التجارية فيه — مطالَب بأن يحوّل شرعيته الجامعة إلى ممارسة يومية من الوساطة الهادئة.
الفصل الرابع: إطاران للصراع: بين العدل والظلم، وبين الحق والباطل
التأطير ليس تفصيلاً لغوياً، بل قرار استراتيجي بحد ذاته. حين يُقدَّم صراع ما بوصفه صراعاً بين معسكرين متقابلين في الهوية والانتماء، يجد كل طرف نفسه مضطراً للاصطفاف خلف هويته الأضيق، بصرف النظر عن موقفه الفعلي من تفاصيل القضية، فيتحول الخلاف السياسي أو الحدودي أو الاقتصادي إلى معركة وجودية.
أما حين يُعاد تعريف الصراع بوصفه صراعاً بين العدل والظلم، أو بين الحق والباطل، كما فعل الملك في خطابه، فإن المعادلة تنقلب بالكامل. القيمة المطروحة — العدل، أو الحق — قيمة كونية لا يحتكرها طرف بعينه، ويمكن لأي إنسان أن يقف خلفها دون أن يتنازل عن شيء من هويته. وهذا ما يفتح الباب أمام تحالفات يستحيل أن تتشكل إلا تحت هذا المنظور.
ومن هنا تحديداً تتضح الوظيفة الاستراتيجية لهذا الاختيار: من يملك الإطار يملك مساحة أوسع من الخيارات والشركاء المحتملين. هذا بالضبط ما يفعله القائد الاستراتيجي الرشيد؛ لا يكتفي بوصف الواقع، بل يعيد هندسة الإطار الذي يُقرأ الواقع من خلاله. الملك، في هذه الجزئية من خطابه، لم يكن يصف صراعاً؛ كان يعيد توزيع من يمكنه أن يكون حليفاً.
الفصل الخامس: من الشرعية الجامعة إلى الدولة العقدة
الأردن الذي يقدّم نفسه ضامناً حضارياً فوق الانقسام الديني هو، في جوهره، الأردن نفسه الذي يسعى إلى أن يكون عقدة إقليمية تربط شبكات الطاقة والتجارة والاستثمار. وهذه الثقة لا تُبنى فقط من موقع جغرافي أو محفظة طاقة، بل تحتاج أساساً أخلاقياً يقبله الجميع. من كان مؤتمناً على مقدسات الأديان الثلاثة قروناً، دون أن يستغل هذه الأمانة لمصلحة طرف على حساب آخر، يجد نفسه في موقع طبيعي ليُطلب منه أن يكون الضامن نفسه لممرات الطاقة، ولشراكات الاستثمار، ولمنصات الحوار الإقليمي التي تحتاجها المنطقة اليوم أكثر من أي وقت مضى.
الشرعية الدينية الجامعة إذن ليست منفصلة عن الطموح الاقتصادي والاستراتيجي، بل هي الأساس الصامت الذي يجعل ذلك الطموح قابلاً للتصديق من شركاء لا رابط مصلحي مباشر يجمعهم بالأردن سوى الثقة في نزاهته كوسيط.
الخاتمة: من الوصاية إلى الهندسة الاستراتيجية
يأتي هذا الخطاب في لحظة إقليمية بالغة الحساسية: مظلات الأمن التقليدية التي اعتادت المنطقة الاتكاء عليها تُظهر تصدعات متكررة، وتتنوع محاولات ملء الفراغ بين تحالفات دفاعية جديدة، ومبادرات أمن عربي مشترك، وشبكات بديلة من الثقة الاقتصادية والسياسية. في مثل هذه اللحظة، تصبح الدولة القادرة على أن تكون جسراً بين الهويات، لا طرفاً في صراعها، أصلاً استراتيجياً أكثر ندرة وأهمية من أي وقت مضى.
لا يعني شيء مما سبق تسييس الوصاية الهاشمية أو اختزالها في وظيفة نفعية؛ فقيمتها الأصيلة أخلاقية ودينية وإنسانية قبل أي اعتبار آخر، وهذا ما يمنحها مصداقيتها أصلاً. لكن إدراك أن للشرعية الأخلاقية أثراً سيادياً فعلياً على قدرة الدولة على بناء التحالفات وكسب الثقة، هو بالضبط ما تفعله الدول الرشيدة حين تخطط لموقعها ضمن نظام دولي يعاد تشكيله بسرعة تفوق قدرة كثير من المؤسسات على مجاراتها.
خطاب الملك عبدالله الثاني في نيويورك ليس، إذن، حدثاً دبلوماسياً عابراً يُقرأ ويُنسى. إنه تطبيق حي لفكرة أن القرار السيادي الرشيد يبدأ من تعريف هوية الدولة بعناية هندسية، لا بردة فعل ظرفية على أحداث اللحظة