جفرا نيوز -
الاستاذ خالد الليمون
في ظاهر الأمر، يخرج علينا الكثير ممن يدّعون الحرص والخوف على المصلحة العامة ومستقبل الأجيال القادمة، لكن المتابع للمشهد يدرك أن السيناريو ذاته يتكرر منذ أكثر من عشر سنوات، وإن اختلفت العناوين والشعارات والذرائع.
ففي السابق، كانت العناوين تتحدث عن مصلحة المعلم، والحرص على تحسين وضعه الاقتصادي والاجتماعي، والتحشيد والخروج إلى الشارع للمطالبة بما يُسمّى بالحقوق العمالية. أما اليوم، فقد تغيّرت العناوين، وأصبحت تتحدث عن مصلحة الطلبة، وكفاءتهم، وميزان الشهادة الثانوية التي يحصلون عليها، مع دعوات إلى تحشيد المواطنين للمطالبة بإنصاف أبنائهم.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل تغيّرت المشكلة فعلًا، أم تغيّر عنوانها فقط؟
إن مصلحة الطالب لا يمكن أن تكون منفصلة عن مصلحة المعلم، وتطوير التعليم لا يتحقق من خلال التشكيك المستمر في مؤسساته وسياساته، بل من خلال النقد المسؤول، والتقييم الموضوعي، والتطوير المستمر المبني على أسس واضحة.
والأهم من ذلك، ألا ننساق وراء العناوين المؤثرة والشعارات التي تستثير مشاعر الناس، دون أن نتوقف لنسأل: ما المشكلة الحقيقية؟ وما الدليل عليها؟ وما البدائل المطروحة؟ وهل ما يُقدَّم للرأي العام يستند إلى تقييم علمي وموضوعي، أم إلى انطباعات ومواقف متداولة؟
وكأننا لا نؤمن بالتحديث والتطوير، وكأننا لا نؤمن بأن نظامنا التعليمي قادر على التطور ومواكبة المتغيرات، وكأن كل خطوة تطويرية يجب أن تُقابل بالتشكيك والرفض قبل أن تُناقش بموضوعية.
نحن بحاجة إلى نقاش تربوي هادئ ومسؤول، يحافظ على حق الطالب في تعليم نوعي، ويحفظ للمعلم مكانته وحقوقه، ويحافظ في الوقت ذاته على قيمة الشهادة الثانوية وهيبتها، بعيدًا عن التجييش والعناوين التي قد تتغير من مرحلة إلى أخرى، بينما يبقى الهدف الحقيقي هو إصلاح التعليم وتطويره، لا استهدافه أو إضعاف الثقة بمؤسساته.
والآن، لنسأل أنفسنا سؤالًا جوهريًا: هل التحديث المستمر ومواكبة الأنظمة التعليمية والتربوية في الأردن أمرٌ لحظي ومرتبط بمرحلة معينة، أم أنه نهجٌ راسخ بُنيت عليه الدولة الأردنية منذ أكثر من مئة عام؟
إن الإيمان بالتطوير ليس ترفًا ولا خيارًا مؤقتًا، بل هو ضرورة تفرضها طبيعة الحياة وتغيّر المجتمعات. ونحن نؤمن بأن الوقوف في مكانك لا يعني الثبات، بل قد يكون بداية التراجع؛ فالعالم لا ينتظر أحدًا، والبقاء دائمًا للأكثر قدرة على التطور والتحديث ومواكبة المتغيرات.
فكيف يمكن لمنظومة تعليمية بحجم وعراقة وزارة التربية والتعليم أن تتوقف عن التطوير في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا الرقمية جزءًا أساسيًا من العملية التعليمية، وأصبحت فيه المعرفة تتغير وتتجدد بوتيرة متسارعة؟
إن الانعزال عن هذا التطور، أو التعامل معه بمنطق الرفض لمجرد أنه تغيير، قد يضع المنظومة التعليمية أمام تحديات أكبر مستقبلًا.
وفي المقابل، فإن التطوير الحقيقي لا يعني هدم ما هو قائم، ولا يعني التخلي عن الثوابت، وإنما يعني مراجعة ما لدينا،
وتطوير ما يحتاج إلى تطوير، والاستفادة من التجارب الحديثة، بما يحافظ على جودة التعليم ويرفع كفاءة مخرجاته.
ومن هنا، فإن سيل الاتهامات التي تنهال على صُنّاع القرار والسياسات التربوية، دون مناقشة الأسس والمعايير التي بُنيت عليها عمليات التطوير، قد يحوّل النقاش من نقاشٍ تربوي موضوعي إلى حالة من التشكيك العام في منظومة كبيرة وعريقة، بدل أن يكون الهدف هو تقييمها وتطويرها بصورة مسؤولة.
السؤال الحقيقي إذن ليس: لماذا نُحدّث ونُطوّر؟ بل: كيف نُحدّث ونُطوّر بصورة صحيحة، تحافظ على ما هو ناجح، وتعالج مكامن الخلل، وتُبقي تعليمنا مواكبًا لعصره وقادرًا ع لى صناعة مستقبل أبنائنا؟