اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

رواية شك ودليل - الجزء الثاني

السبت-2026-09-26 08:45 pm
جفرا نيوز -
قضية مقتل إبراهيم الجناينة
بقلم فراس الور
انتشرت دعاية مكتب "شك ودليل" على السوشيال ميديا كالصاعقة في السماء عبر عدة مواقع رئيسية بعمان؛ فقد حجز لؤي في "المسار نيوز"، وصفحات "نبطية"، و"عين المملكة"، و"الحدث الأردني"، و"أثير عمان"، وغيرها من المواقع الرائدة، مساحات إعلانية بأكبر مواقع إخبارية على الإنترنت لمكتبه. وأثمرت هذه الدعايات في غضون يومين عن سلسلة من الاتصالات الهائلة لمكتبه؛ فمنهم من اتصل من باب الفضول سائلين عما يقدمه هذا المكتب للجمهور، إلى شخصيات بارزة وزارية استفسرت عن هذه النوعية الجديدة من الخدمة من باب الإعجاب. تنوعت هذه الاتصالات التي جعلت المقسم البسيط والبريد الإلكتروني لمكتب لؤي يغص بالمكالمات والإيميلات المرحبة بهذه الخدمة المميزة. ومنهم من رحب بالفكرة بطرق طريفة جداً، فنشر فيديو كليبات على السوشيال ميديا وهو يرتدي معطفاً طويلاً ويمسك بعدسة مكبرة ويمثل أنه يحقق في الجريمة، كاتباً على صفحته على الفيسبوك: "المحقق كونان بات حقيقة وواقعاً بالأردن". ومنهم من وضع صور مسدس بجانبها بعض نقاط للدماء مولدة بالذكاء الاصطناعي كاتباً: "حدث استثنائي بالأردن، مكتب شك ودليل يدشن ما قد يكون ترند لعدة مكاتب خاصة في المستقبل للتحقيق بالجرائم بالأردن لمساعدة الشرطة". ومنهم من استرجع المسلسل الشهير "كولومبو" و"مونلايتنغ" الأمريكي حيث كتب: "باشا متقاعد يقرر إكمال مسيرته الجنائية بمواصلة دعمه لعالم العدالة على طريقة هوليود". ومنهم من صور سكتشاً ممازحاً المكتب بأسلوب محب قائلاً: "لا تفزعوا من الجرائم فلؤي العازم بالمرصاد لكل المظالم، نحن بأمان فالمجرمون يختبئون الآن بسبب شك ودليل".
ضحك لؤي ضحكة مدوية حينما قرأ تعليقاً على إحدى الصفحات لمؤثر أردني، وضع صورة بالذكاء الاصطناعي لرجل يقف وسط كنب منزل بصالة والأرض مليئة بالدماء، وكان الرجل يقف في منتصف المشهد وعبارة: "أنا أشك إذاً أنا محقق إذاً أنا موجود بموقع الجريمة، لؤي ديكارت". تذكر عبارة الفيلسوف الشهيرة: "أنا أشك إذاً أنا أفكر إذاً أنا موجود"، وأسلوب الشك الذي أوصل ديكارت إلى اليقين السماوي أن الله موجود بأسلوبه الفلسفي الشهير. أثلجت صدره ردات الفعل على السوشيال ميديا فتأكد أن الدعاية أتت بثمار بناءة، وها هي أخبار مكتبه تنتشر بصورة أكبر مما توقع على صفحات عدة مؤثرين بالأردن، مما يعني أن الآلاف الذين يتابعونهم قد علموا عن المكتب. كان اليوم الأربعاء أول يوم للدوام بالمكتب وأطلت شمس الظهيرة الخجولة من حين لآخر من وسط الغيوم، فكان الجو غائماً جزئياً؛ فقد انحسر المنخفض الذي أثر على المملكة ليومين ليترك وراءه تلك الغيوم اللطيفة التي كانت تغطي سماء المملكة. سمع عدة طرقات خفيفة على باب مكتبه الذي كان تقريباً مغلقاً بالكامل، قال بابتسامة وثقة: "تفضل".
فأطلت سهير وبيدها ورقة بيضاء عليها بعض المعلومات. كانت سهير امرأة في الثلاثين من العمر، هيفاء القوام ذات شعر أسحمائي قصير وأنيق، فكان على شكل قصة "غارسون" تصل عند أول رقبتها مما أضفى ملامح ناعمة على وجهها الشاب. كانت عيناها جذابتين زرقاوين وتتمتعان بلمعة أنيقة جداً. رأى لؤي سهير ثلاث مرات قبل دوامها اليوم بمكتبه، ولم يكن يعلم إن كان لون عينيها الأصلي أزرق أم كانت تضع عدسات لاصقة تعطيهما هذا اللون واللمعان، فصيحات الموضة كثيرة وتغير من ملامح النساء لتصطبغ إطلالتهن بالهيئة التي كن يردن. كان حاجباهما ناعمين مقلمين، وكانت تضع خضاب الشفاه الأزرق ليليق مع لون عينيها. أضاءت عيناها بالجمال الساحر والناعم وهي تدخل مكتب لؤي حينما تلاقى وجهها مع الشمس المنسابة من نافذة مكتبه. ارتسمت ابتسامة ساحرة على وجهها وهي تنظر إليه لتعطيه الورقة التي كانت بيدها.
رد لؤي الابتسامة بنبرة ترحاب دافئة وقال: "أهلاً سهير، شكراً". أخذ الورقة منها وتأمل ما تحتوي. كان يشعر في كل مرة ينظر إليها أنه ينظر إلى وجه طفولي بريء، بل كان يشعر أن هذه الإطلالة كانت انعكاساً لقلب بريء كان بحاجة إليه بعمله؛ فكان لديه أصدقاء كثيرون من الطبقة المخملية بالمجتمع، وكان يجب على فريق عمله أن يتمتعوا بمقدار مقبول من الجمال والجاذبية، فمنذ أن رآها أول مرة في المقابلة حيث كان يبحث عن سكرتيرة أنيقة تستقبل عملاء مكتبه لتعطي الانطباع الحسن عن عمله المعاصر والفريد بمجال التحقيق الجنائي، وأعجب بجمالها وأناقة لبسها. وكانت مؤهلاتها على سيرتها قوية جداً حيث كانت تتقن العربية والإنجليزية، وقد عملت بشركات كبرى كان يعلم بعضاً من أصحابها. كانت سهير ترتدي تنورة سوداء تغطي ركبتيها وهي واقفة، وقميصاً أزرق ناعماً بأزرار ذات أكمام طويلة ليناسب الجو المتقلب الذي كانوا به؛ فكانت سترتها رغم جمالها أمراً أعجبه بها، فامرأة بهذا الجمال كانت تستطيع استخدام جمالها وترتدي لباساً عصرياً مغرياً لتلفت الانتباه إليها، لكن في المرات السابقة التي رآها بها واليوم كان لباسها مهنياً محترماً يدل على مهنية سلوكها.
علق على الورقة: "الحمد لله، بشائر الخير".
أجابت وهو يعيد لها الورقة: "يبدو أن هذا المكتب يا باشا سيكون قدم السعد عليك، هنالك خمسة أسماء سجلت لتحقق بقضايا تخصها".
"اقرئي ما عليها من معلومات".
كان قد أعطى سهير في الصباح الباكر جدولاً لتملأه مع كل متصل يطلب التحقيق بأمر ما، فكانت خانة للاسم الثلاثي، وخانة لأرقام الاتصال، وخانة لطبيعة القضية التي يريد المتصل من لؤي تتبعها، وخانة لعنوان المتصل. جلست أمامه على الطرف الآخر لمكتبه على كرسي وابتدأت بالشرح: "أول الأسماء معتصم الراوي، وهو عقيد بالأمن العام...".
قاطَعها قائلاً: "معتصم الراوي... معتصم الراوي... اسمه ليس غريباً عني، في أي قسم بالأمن العام يعمل؟".
قالت موضحة: "لم يقدم لي أية توضيحـات، لكنه يقول إنه يريد أن يستشيرك بأمر يتعلق بجرائم قتل...".
قال فجأة وعلامات الاستنارة على وجهه: "تذكرته! تعاملنا معاً سابقاً حينما كان ممسكاً بقضايا تجارة المخدرات، ولكنه نُقل قبل أن أتقاعد بخمس سنين إلى قسم آخر وانقطعت أخباره عني. رجل أمن من الطراز الرفيع، سأتصل به اليوم على الأكيد، أكملي القائمة".
"هنالك فنانة باسم نادية الحايك".
قال مستغرباً: "نادية الحايك؟".
"نعم، التي يُعرض لها—لو تتابع الدراما—مسلسل غدر الأيام على الفضائية الأردنية".
"نعم... أكيد، أتابعه كل ليلة".
"اشتكت من شخص يضايقها، وتشك أنه معجب من المعجبين ولكنها خائفة فهي لا تعرف هوية هذا الشخص، ولأنها فنانة وبسبب ملاحقة الإعلام القوي لها فإنها لا تريد شوشرة إعلامية على سمعتها، فتريد منك أن تتحقق في الموضوع بصورة سرية بعيداً عن شوشرة الإعلام، فلذلك قصدتك كمحقق خاص".
"تمام، ومن الأسماء الباقية؟".
"لميس البارودي، وهي امرأة لبنانية مقيمة بالأردن، ولديها محل لبيع الذهب، وتتعرض لما تشك أنه محاولات ابتزاز من شخص من دائرة معارفها، فلو تبين أنه من المقربين منها ستختار حل المشكلة بصورة ودية من دون تقديم شكوى بحق هذا الشخص، ولأن محلها له سمعته وزبائنه من الطبقات الأرستقراطية فهي لا تريد أية شوشرة على سمعتها، فلذلك قصدتك لتحل المشكلة بهدوء. بقيت ثلاثة أسماء".
"رتبي لي مواعيد معهم، بفارق أربعة أيام بين كل موعد وآخر، ابدئي بسيادة العقيد، ثم في اليوم التالي بعد موعده رتبي باقي المواعيد".
قالت بإعجاب: "هل أربعة أيام تكفي لحل جريمة؟ ثقتك بنفسك راقية جداً يا باشا".
أجاب بثقة: "بإذن الله كل شيء يسير، وبإذن الله سأحل أعقد القضايا".
فجأة ارتفعت في الأجواء دقدقة خفيفة على الأبواب، إلتفتا سهير ولؤي ليجدا رجلاً بيده علبة صغيرة ملفوفة بورق هدايا يقول لهما بابتسامة عريضة: "مرحباً". نهض لؤي مُرَحِباً واتجه صوب الرجل الذي دخل المكتب قائلاً: "هاشم الصائغ بشحمه ولحمه في مكتبي! أشرقت الأنوار كلها". قبّلا بعضهما على خديهما بينما قال هاشم: "حضرة المحقق العالمي فريدريك أبيرلاين، ألف مبروك افتتاح المكتب!".
قال لؤي بدفء: "تفضل بالجلوس، تشرفت بك وبقدومك جداً، يا مائة أهلاً وسهلاً".
التفت هاشم إلى سهير وسلّم عليها بأسلوب راقٍ قائلاً: "كيف حالكِ، أنتِ أكيد سهير مديرة المكتب التي كلمتها لتعطيني الموقع على الواتس آب؟".
أجابت بابتسامة دافئة: "نعم صحيح، وفي خدمتكم سيد الصائغ".
"تشرفت بمعرفتكِ ست سهير، وألف مبروك الافتتاح، يهيأ إلي أنني أعرفكِ، قابلتكِ من قبل، وجهكِ ليس غريباً علي".
أجابت بثقة: "أنا سَأُذَكِرَكْ، تقابلنا عند السيد جرجس عبد المسيح، الذي كان يملك شركة الصفاء للمياه المعدنية، حيث كنت مديرة مكتبه".
قال متذكراً: "صحيح... صحيح، سبحان الله جبل على جبل لا يلتقيان، ولكن شخص على شخص قد يلتقيان مجدداً، سررت برؤيتكِ، كان هذا منذ عام قبل أن يبيع شركته لمستثمر آخر".
"نعم صحيح سيد هاشم".
"ذاكرتكِ رائعة، أنتِ ثاقبة الذكاء ست سهير".
"هل لديك أخبار عنه؟ كان محترماً جداً وما زلت أذكره بالخير".
"هو حالياً يمتلك مجموعة بفرنسا، نقل عمله إلى الخارج مع تطور أحداث المنطقة المؤسف".
"أرجوك ومن لطفك وفضلك أن تنقل له سلامي حينما تراه، كان فعلياً إنساناً دمث الخلق هو وزوجته ابتسام مع كافة موظفي شركته".
"قطعاً سأنقل سلامكِ إليه".
"شكراً سيد هاشم، والشرف لي أنني رأيتك مجدداً، تفضل فأنت صاحب مكان". تركت سهير الرجلين لحديثهما بينما ذهبت إلى مكتبها بالاستقبال.
أكمل لؤي بفرحة عارمة: "هذه الساعة المباركة، متى وصلت من بيرن؟ كنت أظن أن سفرتك ستطول في هذه المرة بسبب توسع مشاريعك بالخارج".
قال بثقة أرستقراطية تشع من بشرة وجهه الحنطية الودودة: "معك حق، فكان يجب أن أبقى للشهر المقبل حتى، ولكنني قررت توظيف مديرة مكتب لشركتي في سويسرا ستساعدني كثيراً؛ ففي آخر فترة تشتتُّ بين أوروبا والأردن مما زاد الضغط علي، وهذه المديرة ستساعدني وستكون عيناي في سويسرا وأنا هنا في الأردن".
"هون عليك يا هاشم، فخير ما اخترت كمقر لمشاريعك، سويسرا من أكثر البلدان استقراراً بالعالم".
قال مناقشاً: "مرغم أخاك لا بطل، مهما فعل صاحب المال باله لا يرتاح، قل لي متى افتتحت المكتب؟".
"اليوم أول يوم دوام، إنه افتتاح صغير فهذا المكتب تجريبي وأولي".
"عقبى للافتتاح الأكبر بإذن الله".
"ببالي، ولكن بعد أن تمر بضعة أشهر لأجرب هذا النوع من العمل، أنت تعلم أنني لا أتاجر بسلع تجارية لها زبائنها، بل بسمعتي كمحقق جريمة يا صديقي".
"أنت بقدر هذه المسؤولية ولطالما كنت كذلك، أعجبني الموقع، والمجمع ممتاز وفي وسط بوليفارد العبدلي، يا سيدي يليق بك الفخامة، باشا متقاعد ولك برستيجك".
"هذا قليل من البريق وفخامتك التي لديك، قل لي هل أغلقت كافة مشاريعك في الأردن؟".
أطلق تنهيدة عميقة ثم قال: "المنطقة كل ثلاث أو أربع سنين تشتعل بها حرب، فكيف سنستقر كتجار ومستثمرين في بلادنا؟ منذ ثلاث سنين ومع اشتداد آثار عملية طوفان الأقصى نام السوق معي في الأردن كثيراً، وأنت تعلم أنني قبل العملية كنت أتاجر بالماركات والمواد الغذائية الأجنبية، فالمقاطعة التي حدثت فجأة داخل الأسواق خسرتني أموالاً كثيرة، وقلنا لا بأس فهذا واقع أقوى منا ولم أترك الأردن في هذه الأزمة، فبقيت وحاولت التأقلم مع وضع السوق، ولكن مع الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأخيرة وصلت مبيعاتي إلى أدنى مستوياتها، فبعت وكالاتی في الأردن لتجار محليين وافتتحت مقري في سويسرا وابتدأت من جديد العمل بتجارة المواد الغذائية".
"حسناً فعلت، أي مستثمر كان سيفعل ما فعلت، أنت لم تصفِّ شركاتك في الأردن بمحض إرادتك بل كنت مرغماً لتحمي استثماراتك، وأنا أعلم أنك صبرت لسنوات قبل أن تأخذ هذا القرار، لا تحاكم نفسك يا هاشم أكثر من اللازم فما من أحد يترك بلده بخاطره، هيا هون عليك".
"لو لم أفعل هذه الخطوة لخسرت ما يقارب عشرين مليون دولار، أنت تعلم جيداً حجم استثماراتي كيف كان هنا".
"الحمد لله الذي ألهمك إلى القرار الذي يناسب ثروتك كي لا تخسر شيئاً". قال بصوت مرتفع فجأة: "سهير!".
أطلت سهير قائلة: "تحت أمرك يا باشا".
"بعض القهوة من فضلك من البوفيه بالمجمع، و لا تنسي ان تطلبي قهوة لكِ ايضا".
"حالاً باشا".
غادرت المكتب بينما أكمل لؤي: "وكيف ليليان، ما هي أخبارها؟".
"بخير، ترتب أمورها لتفتح بوتيك ملابس في الصويفية".
"ألف مبروك".
"هيا قم معي".
"إلى أين؟".
"سنذهب في مشوار، أريد أن آخذ رأيك بترتيبات مزرعتي في جلعاد، ثم سأدعك لنعاود الالتقاء الليلة في بيتي؛ فاليوم أقيم حفلاً كبيراً بمناسبة عيد زواجي الخامس، وسيكون هنالك لفيف كبير من شخصيات المجتمع بعمان، ليليان ستسر برؤيتك".
"ألف مبروك يا صديقي، عقبى لليوبيل الذهبي لزواجكم، ألف مبروك، ولكن اعذرني، سامحني، اليوم أول يوم بالمكتب والمكالمات تنهال علي بسبب الدعاية، والليلة عندي عُرسْ لأقرباء وأعطيتهم كلمة شرف أنني سأكون موجوداً، بالغد أعدك بعد الظهيرة سأزور مزرعتك وسأتعشى معكم لأبارك لكم بعيد زواجكم".
"العزومة مؤكدة منذ الآن، لن أقبل بأي اعتذارات".
"أعدك يا صديقي".
"تفضل هذه هديتك". قدم هاشم العلبة الصغيرة الملفوفة بورق الهدايا التي كانت بحوزته.
قال لؤي بخجل: "غَلًبتْ نفسك يا صديقي، يكفي قدومك إلي".
أجاب هاشم ولؤي يفتحها بشغف: "قل لي ما رأيك؟". لهث لسان لؤي حينما فتح العلبة وأمسك ما بها، قال: "هذه أنتيك راقية، إنها تحفة بكل معنى الكلمة".
"يا صديقي هذه ساعة فريدريك أبيرلاين شخصياً، المحقق البريطاني الشهير والعنيد الذي كان يحل بمنطقه وتفكيره القوي كل الجرائم التي اشتهر بها".
نظر إليها لؤي وقال: "والقضية الوحيدة التي لم يستطع حلها كانت قضية جاك السفاح، أخٍ لو كان لديهم حينها ما لدينا من علوم لكان ألقى القبض عليه".
"هذا مما لا شك فيه".
قال لؤي مصدوماً: "إنها لا تزال تعمل!".
"بعد أن اشتريتها بمزاد علني لك، أرسلتها إلى ساعاتي مشهور بسويسرا يختص بصيانة الساعات القديمة، فعمل لها الصيانة اللازمة وأعادها كأنها جديدة، الغلاف الخارجي أصلي وقد تجد عليه بصمات أصابع فريدريك نفسه، ولكنه اضطر لتبديل بعض القطع الداخلية والسلسال".
نظر لؤي إلى صديقه شاكراً: "هذه هدية قيمتها رائعة وراقية، قدرني الله لأرد لك ذوقك الراقي معي".
"نحن أصدقاء يا لؤي، لا شيء من قيمتك أنت، استمر فقط بالقبض على المجرمين".
"هذه الهدية ستكون ملهمة لي بكل تأكيد". علق لؤي السلسال بزر قميصه ووضعها بجيب قميصه، فكر بذاته: "فريدريك، أعدك وروحك الساكنة بجنة الله أنني سأغلق ملف كل قضية أمسكها بمكتبي".
*********************
كانت حديقة فيلا هاشم الصائغ أشبه بخلية النحل من كثرة العمال الذين كانوا يجهزون الحديقة الكبيرة للحفل في الليل؛ فبخلال بضع دقائق وبحسب ترتيبات وتخطيط مسبق بين ليليان وقسم الحفلات وبكل مهنية عالية، انتشر مضيفو ونوادل فندق دبليو عمان من خدمة الضيافة الخارجية يرتبون طاولات الكوكتيل ويجهزون محطات الخدمة لهم بالأمكنة المتفق عليها كي لا تكون عائقاً أمام حركة النوادل والضيوف بالحفل، بل ليكون الحفل بكامل أناقته وبهجته المطلوبة، وشرعوا بترتيب طاولات البوفيه بصورة أنيقة لكي يضعوا طعام العشاء عليها بالوقت المناسب خلال الحفل. نظرت ليليان بكل إعجاب إلى العمال وهم يهمون بالمعدات ويفرشون الطاولات ويقومون بكل شيء من دون حتى أن تضطر لتوجيه أية ملاحظات لهم، فابتدأوا في الساعة السابعة أي قبل توافد الضيوف بساعتين وانتهوا في الساعة الثامنة بكل تنظيم أسعدها وأراح بالها كثيراً.
هاتفها منسق الحفل من الفندق على هاتفها النقال ليؤكد لها أن العشاء سيكون حاضراً بحدود الحادية عشرة، وبأنه سيكون حاضراً شخصياً ليشرف على كل شيء، فأجابت بالموافقة وهي مرتاحة لذلك حيث سيتخلل الحفل مطرب دي جي وسيكون حفلاً صاخباً احتفاءً بعيد زواجها الخامس من هاشم، كم كانت هذه المناسبة غالية على قلبها للغاية لدرجة أنها صلت من كل قلبها وطلبت من الله أن يكون الحفل بأبهى صورة. كانت تعلم بداخلها أنها المرة الأولى التي ستحتفل بهذه المناسبة في فيلتها بعمان، ففي كل سنة اعتاد هاشم على الاحتفال به في يخته الفسيح بفرنسا أو ببلد أوروبي آخر، حيث كان أصدقاء لهم أيضاً في بلاد الخارج يحضرون الحفل، ولكن في هذه المرة لم يستطيعا السفر بسبب الأعمال التي تسير على قدم وساق بالمزرعة الكبيرة التي اشتروها مؤخراً في جلعاد من مستثمر عربي وباشروا بترميمها، فلذلك قررا الاحتفال به بعمان، ولم تستطع الوثوق بأي خدمة تليق بالمناسبة وببرستيجهم العريق بالمجتمع إلا بفندق له تاريخه العريق كالدبليو عمان. كان عدد المدعوين مائة شخص وكانوا نخبة من أغنى وأرقى عائلات المستثمرين بالبلد، وهنالك من كان سيأتي من مصر والخليج خصيصاً ليحضر هذا الحفل البهيج، لذلك حرصت على أن يكون كل شيء مرتباً له بدقة رائعة جداً.
نظرت ليليان إلى ساعتها فكانت الثامنة والنصف، تنبهت أخيراً أن هاشم لم يصل بعد إلى الفيلا، طلبت رقمه فأجابها مرحباً: "حبيبة قلبي، أسعد الله مساؤكِ".
أجابت بتوتر: "حبيبي الساعة قاربت على التاسعة، والناس سيبدأون بالوصول".
قاطعها مطمئناً: "أنا بعيد عن قلبكِ خمس دقائق بالسيارة...".
قالت مبتسمة: "وأنا معك بقلبي وعقلي ووجداني وبصلاتي إلى الله لك كيفما دار وجهك، أنت ساكن بقلبي دائماً".
"أحبكِ... أحبكِ... أحبكِ... وقلبي متيم بكِ وينطق بحبكِ مع كل نبضة تسير بجسدي، واليوم سأقدم لكِ هدية مميزة ستعجبكِ جداً".
قالت بنبرة حنونة ومتيمة: "أنت أكبر هدية لي من الرب، لا أريد شيئاً سوى أن يبقى نَفَسُك بحياتي لبقية عمري".
"أحبكِ... بهذه الكلمة أبدأ نهاري... وبكلمات أعشقكِ إلى حد الجنون أختم نهاري وأنام مرتاح البال بحضنكِ...".
"هيا لا تتأخر، فالضيوف على وصول يا قرة عيني، أنا بانتظارك".
أغلقت ليليان السماعة ودخلت المنزل لتغير ثيابها، دخلت من مدخل صالة الحفلات الكبيرة المفتوح على الحديقة وسارت إلى صالة الطعام، ثم قررت أن تطل على خدم منزلها لعلهم يحتاجون لشيء منها قبل أن تذهب إلى حجرتها، فاقتربت من المطبخ ولكن توقفت فجأة؛ كان هنالك شيء غير طبيعي جعلها تتوقف لتصغي إليه. لفتت انتباهها أصوات شهيق وبكاء مكتوم، وكأن صاحبها كان يكتمها عن عمد كي لا تكون عالية ومسموعة. توقفت لبرهة بوسط الممر الذي يؤدي من صالة الطعام إلى مطبخ المنزل الكبير، واستمعت جيداً لتعرف مصدر الصوت، تتبعته رويداً رويداً لترى من أين كان يأتي، ومن كان يبكي بهذه المرارة. وقفت عند باب المطبخ لترى سارة خادمتها تبكي وهي تجلي بعض الأواني، كانت شهقاتها عميقة وكأنها صرخات من داخل ذاتها تحاول التحكم بها. كانت سارة خادمتها الأمينة التي رافقتها بتدبير المنزل منذ أولى أيام زواجها، فكم كانت تتكل عليها بأمور كثيرة لها علاقة بإدارة شؤون تغبير وتنظيف المنزل وإدارة شأن السفرجية محمد وحاتم وإعطاء منيو الطبيخ اليومي للشيف فنسنت في خدمة الطعام أثناء مآدب العشاء والغذاء التي كانت تقيمها بعمان، فحتى أثناء غيابها وسفرها لم تأتمن أحداً إلا سارة الخياط لتدبر شأن فيلتها التي كانت بمثابة تحفة معمارية بوسط منطقة دابوق.
حاولت الاقتراب منها، فأخذت بضع خطوات تجاهها ولكن علمها أن الضيوف على موعد الوصول أربكها وغير رأيها، فقررت التكلم معها في وقت لاحق، فاستدارت لتخرج ولكن توقفت حينما فجأة ندهت عليها سارة قائلة: "ست ليليان؟".
أجابت قائلة وهي تلتفت نحوها مرة ثانية: "نعم يا سارة، هل من خطب؟".
مسحت سارة دمعها بكم سترتها وقالت: "آسفة لبكائي، هنالك أمر يضايقني".
سألت بحنو: "هل كدّر أحد خاطركِ من إخوتكِ كالعادة؟".
أجابت وهي تحاول التماسك: "نعم سيدتي، إنه شيء من هذا القبيل فبكيت بسببه، أنا آسفة". أكملت مسح دمعها بمحارم كانت قريبة منها وأكملت: "أنا أحسن الآن، سأكمل عملي".
اقتربت منها ليليان بابتسامة حنونة وقالت: "أريدكِ أن تنسي أي أمر أزعجكِ، الآن عندنا حفلة، ركزي بالشغل وسنتكلم بالغد عما يزعجكِ، فكل مشكلة ولها حل، تمام؟".
حاولت سارة رسم ابتسامة على شفاهها ثم قالت: "شكراً سيدتي، هذا كرم منكِ أن تهتمي لشأني وأنا خادمتكِ...".
"كلنا عبيد الله، أستغفر الله، أنتِ مدبرة منزلي وعزيزة وغالية عندي، هنالك عشرة سنين بيننا، هدئي من روعكِ وأكملي شغلكِ، وارتدي شيئاً أنيقاً لتساعدي خدمة الضيافة الخارجية إن احتاجوا لأمر، لن أكون متفرغة لأجيب عن استفساراتهم، من سيدير شأنهم بالدرجة الأولى سواكِ؟". أكملت مبتسمة: "عندي خبر سينسيكِ شجاركِ مع والدتكِ".
أجابت ببعض الفضول: "ما هو سيدتي؟".
أكملت ليليان بنبرة مغبوطة ومسرورة: "بمناسبة عيد زواجي رقيتكِ لتكوني مديرة منزلي وليس فقط مدبرة منزلي، فستكونين مسؤولة عنه، وسأزيد راتبكِ مائة دينار، ليصبح سبعمائة دينار، وستكونين أنتِ المسؤولة أمامي عن المنزل والضيافة وإدارة مآدب الغداء والعشاء وإعطاء منيو الطعام اليومي للشيف فنسنت، هنالك أعمال كنت أقوم بها بنفسي سأسلمها لكِ من الآن فصاعداً؛ تدبير شؤون الضيافة بالمنزل ومهام تنظيفه مسؤوليتكِ بالكامل من الألف إلى الياء".
ابتسمت سارة لهذه الأخبار، فجعلتها لوهلة تنسى وجعها، فهذه الزيادة كانت ستحل مشاكلاً كثيرة لأسرتها التي ترسل لها حوالة شهرية لتصرف منها؛ فكانت المعيل الأول لأسرتها بقريتها الريفية بجنوب المملكة المكونة من والدتها الأرملة وشقيقيها فريد ونديم؛ ففريد كان بالتوجيهي ونديم كان بسنة ثانية كلية، وكانا بحاجة للكثير من المصروف بعد، فهذا المبلغ سيحل بعض المشاكل لأسرتها التي كانت ترهق كاهلها بالطلبات الملحة شهرياً.
شكرت ليليان قائلة: "ألف شكر ست ليليان على ثقتكِ بي، وبإذن الله ثقتكِ بمحلها، سأكون عند حسن ظنكِ".
ابتسمت لها ليليان وأجابت: "سأصعد إلى غرفتي لأغير ثيابي، هيا أنتِ أيضاً استعدي لليلة".

غادرت ليليان المطبخ ولكن وجدت الدموع طريقها لعيني سارة مرة ثانية، فجففتهما بيديها وتوجهت إلى أدراج الصالة لتنزل إلى طابق موظفي الفيلا الذي كان لديها غرفة به، وكان يضم غرف السفرجية والشيف أيضاً، فكان جناح غرف خاصاً ليحفظ خصوصية مبيتهم وأغراضهم الخاصة. نزلت الأدراج ببطء وهي تحاول حبس دموعها المريرة ريثما تصل إلى غرفتها؛ فكان المصاب أكبر من أن تستطيع تحمله بكل معنى الكلمة. دخلت غرفتها وأغلقت الباب بالمفتاح وألقت بنفسها على سريرها لتستسلم إلى نوبة بكاء مريرة. ما أقوى الزمن حينما يسخر من امرئٍٍ في بعض الأحيان! فقد أتتها زيادة كبيرة لمعاشها مع ترقية وسط نكبة لم تكن تعلم هل هي من صنيع يديها أو صنيع قدر وضع صائعاً أزعر تربية شوارع بدربها ليلعب بعقلها القروي البسيط وليجعلها تسلم نفسها إليه على طبق من ذهب. لم تعلم إن كان هو الملام بهذه الفضيحة التي ستصل إلى العلن عاجلاً أم آجلاً أم أن الذنب ذنبها هي؛ فبمجتمعاتنا الشرقية يُسلخ جلد الفتاة قبل الرجل بهذه المشاكل من دون رحمة، فهي مركز شرف أسرتها وعشيرتها ومحط أعين المجتمع؛ فإن لبست اللباس العصري فهذا عار عليها، وإن تورطت بموقف تحرش يُنظر إليها على أن حركاتها ولباسها هما السبب، ولو صنعت علاقة خارج إطار الأعراف الاجتماعية تصبح هي السبب عوضاً عن كونها طرفاً له حق بقيادة حياته كما يحلو له وصنع العلاقة التي يختارها هو، فكيف بالأحرى بمجتمع شرقي قروي لا يزال يعيش على أعراف الأجداد القديمة؟ ماذا سيفعل بها أهل بيتها وعشيرتها بهذه المصيبة؟ الجواب لهذه المعضلة هي أنها فتاة... يُنظر إلى أي خطأ حساس ترتكبه أنه نكبة وعار لأنها فتاة بسبب نظرة المجتمع لها التي لا ترحمها إطلاقاً؛ إنها وصمة عار لأنها فتاة، هذا كل ما كانت تستطيع فهمه من الذي يحدث معها بوقتها الراهن.
غلى القهر في صدرها وهي تفكر بكل هذه الأمور وبالنتيجة الحتمية لمشكلتها، ماذا ستقول لأهلها، وماذا سيفعلون بها؟ ستكون وصمة عار عليهم وعلى أهلها مدى الحياة. ارتفع شهيق بكائها أكثر من قبل وهي تفكر بما عسى أن يكون مصيرها، حتماً إما أمراً من اثنين؛ إما سيتبرأون منها ويلقونها للشارع، أو إما سيربطونها بجذع شجرة بوسط قريتهم وسيجلدونها أمام كل سكان القرية ليغسلوا عارها عنهم ثم سيذبحونها مثل الشاة أمام أعين الكل. فجأة تكاثرت الأفكار لدرجة خانقة جعلتها تجلس بالسرير وتلطم وجهها بيديها صارخة: "يا غبية يا سارة!!! يا غبية يا سارة!!! أنا ابنة كلب ليكون حظي سيئاً إلى هذا الدرجة بهذه الحياة!!! ماذا حل بعقلكِ لترتكبي هذه الغلطة!!!". وسط ارتباكها أخذت هاتفها النقال وأرسلت رسالة إلى إبراهيم قائلة بها: "خاف الله بي وبابنك يا إبراهيم، هذا ابنك، اكتب كتابك علي واخزِ الشيطان، أليس بقلبك رحمة؟ أتتركني أنا وابنك هكذا من دون ضمير؟ ارحمني!!! أهلي سيذبحونني لو لم تتقدم لي!!!". أرسلت الرسالة كمحاولة لتوقظ ضميره لعله يعترف بخطئه. بعد برهة من الزمن أتاها الرد، فقرأت: "ليس عندي كلام غير الذي قلته لكِ، تكاليف عملية الإجهاض علي، تخلصي من الجنين، لا أريده ولا أريدكِ بحياتي".
نهضت سارة من السرير وتوجهت إلى كنب صغير بجانبه طاولة صغيرة، كان عليها صحن به برتقالة وسكين. شعرت بقليل من الجوع فابتدأت بتقشير البرتقالة، ولكنها نظرت إلى السكين فجأة وابتدأت الأفكار الشيطانية تتوارد بذهنها، فكرت في ذاتها: "الليلة الكل مشغول، ولن ينتبه أحد لأحد وسط الحفل الصاخب، الحديقة ستعج بالناس، ملحق إبراهيم بعيد عن الحفل بناحية هادئة من الحديقة، طعنة واحدة ستشفي غليلي، أنا بِعِدادْ المتوفين بالمجتمع، سأجعلك تدفع الثمن الليلة!"... يتبع

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير