جفرا نيوز -
خالد مفلح البداوي
في مرحلة إقليمية تتسارع فيها الأحداث وتتداخل فيها الملفات، جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليضع رؤية الأردن أمام المجتمع الدولي، بلغة واضحة ومباشرة، تحمل همّ المنطقة وتؤكد في الوقت نفسه على الثوابت الأردنية.
الخطاب لم يكن محصورًا في قضية واحدة، وإنما تحرك بين مجموعة من الملفات التي تشكل جوهر الموقف الأردني، بدءًا من المعاناة الإنسانية التي خلّفتها الحرب، مرورًا بالقضية الفلسطينية والقدس، وصولًا إلى دور المجتمع الدولي ومسؤوليته تجاه ما يجري.
وفي الحديث عن غزة، برز الجانب الإنساني باعتباره أولوية لا يمكن تجاوزها. فخلف كل أرقام الضحايا والدمار، هناك عائلات ومدنيون يعيشون ظروفًا قاسية، الأمر الذي يجعل وقف المعاناة وحماية المدنيين جزءًا أساسيًا من أي معالجة سياسية.
لكن وقف المعاناة لا ينهي أصل المشكلة، وهنا انتقل الخطاب إلى القضية الفلسطينية بوصفها جوهر الصراع في المنطقة. فالمطلوب، كما أكد الملك، ليس حلولًا مؤقتة تعيد إنتاج الأزمة، وإنما مسار سياسي يفضي إلى حل عادل يقوم على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
أما القدس، فحضرت باعتبارها قضية لها خصوصيتها الدينية والتاريخية، وبما يرتبط بالدور الأردني في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية. وهذا الملف بالنسبة للأردن ليس منفصلًا عن القضية الفلسطينية، بل جزء أساسي من أي تصور لمستقبل المنطقة.
ومن القضايا الإقليمية انتقل الخطاب إلى مساحة أوسع تتعلق بالنظام الدولي نفسه، وضرورة احترام القانون الدولي والمواثيق التي يفترض أن تكون مرجعية مشتركة في التعامل مع النزاعات. فالاختبار الحقيقي لهذه المبادئ يظهر عندما تقع الأزمات، وعندما يصبح المطلوب ترجمة النصوص إلى مواقف وإجراءات.
وهنا تبرز مسؤولية المجتمع الدولي، ليس فقط في إصدار البيانات أو عقد الاجتماعات، وإنما في تحويل المواقف السياسية إلى خطوات قادرة على وقف النزاعات وفتح الطريق أمام الحلول. فاستمرار الأزمات دون أفق واضح يجعل المنطقة تدور في الحلقة نفسها، ويدفع المدنيين إلى تحمل الكلفة الأكبر.
وفي خضم هذه الملفات، حافظ الأردن على طرح قضاياه من زاوية واضحة؛ فهو معني بما يجري بحكم موقعه وحدوده وعلاقاته، كما أنه معني بالقضية الفلسطينية والقدس، ولذلك فإن حضوره في المحافل الدولية يرتبط بالدفاع عن مصالحه ومواقفه وشرح رؤيته تجاه مستقبل المنطقة.
ولعل الرسالة الأبرز في الخطاب أن المنطقة لا يمكن أن تبقى رهينة للأزمات المتتالية. فالحلول المؤقتة قد تخفف من حدة المشكلة لبعض الوقت، لكنها لا تعالج جذورها، بينما يبقى الحل السياسي العادل هو الطريق الذي يمكن أن ينقل المنطقة من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها.