بقلم: الاستاذ الدكتور رضوان عبدالله الوشاح- استاذ هندسة المياه في الجامعة الاردنية
وقف جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، أمام الجمعية العامة
للأمم المتحدة في نيويورك، ليخاطب ضمير العالم بصوت الثبات والحق. لم يكن خطاب
جلالته مجرد سرد تقليدي للتحديات الإقليمية، بل كان وثيقة سياسية وتاريخية مكثفة
وضعت المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية، محذرة من مغبة التقاعس
المستمر والازدواجية في المعايير. لقد ركز الملك بحزم لا يلين على ثوابت الدولة
الأردنية الراسخة، وفي مقدمتها عدالة القضية الفلسطينية، وحق الأردن السيادي
المطلق في صون أمنه الإقليمي والمائي، موجهًا رسائل واضحة لا تقبل التأويل حيال
التهديدات المتصاعدة على الحدود الشمالية ومصادر المياه الاستراتيجية.
إن قراءة متأنية لمضامين الخطاب الملكي تكشف عن مفاصل استراتيجية بالغة
الأهمية تستدعي الوقوف عندها في عدة محاور أساسية:
·
أولاً:
صلابة الموقف الثابت من القضية الفلسطينية: أكد جلالته أن معاناة الشعب الفلسطيني المستمرة
وغياب الحل العادل ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج تقاعس دولي واختيار سياسي متعمّد
لإبقاء الوضع على ما هو عليه. وشدد الملك على أن حقوق الفلسطينيين واستقلالهم
وحقهم في إقامة دولتهم المستقلة والقابلة للحياة ليست مكافأة تُمنح، بل هي حقوق
تاريخية غير قابلة للتصرف أو المساومة.
·
ثانياً:
التداعيات الجيوسياسية في سوريا والحدود الشمالية: نبّه جلالة الملك إلى أن ما يجري في سوريا يمثل
إنذاراً خطيراً يختار العالم تجاهله، مشيراً إلى التوغلات المتكررة والتوسع
الجغرافي وفرض حقائق جديدة على الأرض تمس بصورة مباشرة الأمن القومي الأردني
واستقرار الإقليم برمته.
·
ثالثاً:
الأمن المائي وحوض نهر اليرموك كخط أحمر: سلط الملك الضوء بشكل حاسم وغير مسبوق على
الأخطار المحدقة بالحصص المائية للأردن، سيما في ظل السيطرة الإسرائيلية شبه
الكاملة على منابع نهر اليرموك والوضع الراهن في جنوب سوريا،وتهديد روافد اكبر
سدود الاردن الشمالي وهو سد الوحده وهذا رسالة مزدوجة للدول المشاطئة لحوض اليرموك ، متسائلاً عن صمت
المجتمع الدولي إزاء هذا النهج العدواني الذي يمعن في تجفيف شرايين الحياة
الأساسية للمملكة.
·
رابعاً:
استراتيجية الردع الوطني والسيادة: أطلق جلالته رسالة حاسمة ومباشرة بأن أي تهديد للحدود الشمالية للأردن
أو لمصادره وحصته المائية هو تهديد مباشر للأمن القومي خط أحمر. وأكد بعبارات
قاطعة تعبر عن إرادة الدولة وصلابتها: "لن يشيح الأردن بنظره، بل سنحمي أمننا، ومياهنا، ومصالح شعبنا".
·
خامساً:
السلام العادل ليس ضعفاً: ختم الملك بالتأكيد على أن التزام الأردن المستمر بالسلام والحلول
الدبلوماسية لا ينبغي أبداً إساءة تقديره أو اعتباره أمراً مسلماً به أو تفسيره
على أنه ضعف، فالقيم الإنسانية والسيادة الوطنية خطوط حمراء تقف خلفها قوات مسلحة
وأجهزة أمنية وشعب يلتف حول قيادته لحماية مقدرات الوطن.
لقد جسد خطاب جلالة الملك عقيدة الدولة الأردنية الراسخة في الدفاع عن
حقوق أمتها ومقدرات شعبها، مقروناً برؤية واثقة تؤكد أن الأردن يبقى الصخرة القوية
التي تحطمت وتحطمت عليها كل محاولات المساس بالأمن المائي والوطني، ليظل صوتاً
للحق وعدالة القضية في كل المحافل الدولية.